فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 183

لكأنّ الناظر إلى الأرض يرى أنّها كلّها قد صارت عيونًا يتفجّر الماء منها تفجّرًا، ليلتقي في بحرٍ طامٍ خِضَمِّ لا يُبْقِي ولا يذر.

ومن البراعة في إبراز وتصوير الأحاسيس والمشاعر النّفسية، والأفكار، تجسيدُها في أمثلة حسيّة ماديّة، كتمثيل العلم بالنور، والجهل بالظلمات. وكتمثيل الكفر بالعمى، والإِيمان بالبصر. وكتمثيل القرآن بقلب المؤمن في هدايته بمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنّها كوكب درّي.

قال الله تعالى في سورة (النور) : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِي ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ (35) } .

ففي هذه الآية ضرب الله مثلًا لنور القرآن المعنوي بمصباح أرضي من صنع النّاس، ذي نور صافٍ من أيَّةِ شائبة، وهذا النّور يتلألأ كالكوكب الدرّي، والقرآن بالنسبة إلى سائر كلام الله كقطَرة من بحر، وكذلك نور المصباح بالنَّسبة إلى سائر ما خلق الله من نور في الكون الكبير.

ومن تجسيد المعاني والمشاعر والأحاسيس في أمثلة حِسّيَّة مادّيَّةٍ في الاستعارات التالية: إعصار الهوى. عبير الوجدان. بَرْد اليقين. نار الحب. رياح العاطفة الشجيّة. حلاوة الإِيمان ... إلى غير ذلك من تعبيرات.

8 -احترام فكر المخاطب وتقديره بترك استخدام الأسلوب المباشر:

وقد يكون من عناصر الجمال الأدبي في الكلام احترامُ فكر المخاطب وتَقْدِيرُه بترك استخدام الأسلوب المباشر، اعتمادًا على أنه لمّاحٌ تكفيه الإِشارة الخفيفة والخفيّة، أو بترك الإِطناب والشرح، واللّجوء إلى الإِيجاز والرمزية.

ويدخل في هذا الكنايات، ورموز الأقوال، والتلميحات، والمعاريض، ونحو ذلك.

ولا ريب أنّ من احترام فِكر المخاطب وتقديره الإِيجازَ له في الأشياء التي يمكن أن يفهمها بنفسه، إذا كان أهلًا لذلك، ويَحْسُنُ هذا الإِيجاز جدًّا إلى حدّ الرمز في مواقف خاصّة، منها أنّ يتطلب الموقف إعلام المخاطب وحده، مع إخفاء الأمر عن حاضري مجلسه.

ومن روائع التلويح إلى المعاني بالإِشارات التي لا تفهم إلاَّ بذكاء لمّاح، استعمال لفظة الكفّار المرادفة للفظة الزرّاع في قول الله تعالى في سورة (الحديد) :

{اعْلَمُو ا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } .

فقد استعملت هذه اللّفظة"الكُفّار"المرادفة في معناها هنا اللفظة"الزرّاع"بدل استعمال لفظة"الزرّاع"تلويحًا بأنّ مقابل الزرّاع في المثل هم الكفّار في الممثَّل له، فالمعجبون بزينة الحياة الدُّنيا المغرورون بها هم الكفّار، ويقابِلُهُمْ في المثل الزرّاع الذين يعجبهم النّبات إذا نزل عليه الغيث فاخضرّ وأنبت.

ولمّا كانت تطلق في اللّغة لفظة"الكفّار"على"الزرّاع"لأنّهم بزرعهم يدفنون الحبّ في الأرض فيسترونه، والكفر في اللّغة هو الستر، اختيرت لفظة"الكفّار"هذه بالذّات، لتدلّ على الزرّاع في مكانها التي استعملت فيه، ولتلوِّح بأنّ مقابِلَهُمْ في الممثَّل له هم الكفّار بيوم الدين.

ويزيدنا ثقّة بأنّ اختيار هذه اللّفظة هنا كان مقصودًا، لتَحْمِل هذا التلويح الذي لا يُتَنبَّه له إلاَّ بذكاء لمّاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت