فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 183

اختيارُ كلمة"الزرّاع"في موقع آخر من القرآن، لأنّ ذلك الموقع لا حاجة فيه إلى مثل هذا التلويح، وهو ما جاء في وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإِنجيل، كما روت لنا سورة (الفتح) إذ قال الله تعالى فيها:

{وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الآية 29] .

فقد استعملت هنا لفظة"الزُّرَّاع"لأنّ مقابلها في الممثّل له ليسوا بكافرين، بخلاف"أَعْجَبَ الكفَّارَ نَبَاتُهُ".

تقريب الصورة الغائبة بوضعها في صورة مشهودة النّظير أو مخيّلة:

ومن عناصر الجمال في الكلام تقريب الصورة الغائبة، وذلك بوضعها في صورة مشهودة النظير، أو في صورة متخيَّلة في أذهان المخاطبين.

فمن تقريب الغائب بوضعه في صورة مشهودة النظير ما جاء في القرآن والسنّة من تمثيلٍ أو تسميةٍ لما في الدّار الآخرة من أحوال وأحداث ومكوَّنات.

ففي الصحيح عن ابن عباس أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال:

"لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إلاَّ الأسْمَاء".

ومن تقريب الغائب بوضعه في صورة متخلية في أذهان المخاطبين، وصف طلع شجرة الزقوم بأنّه يُشْبِهُ رؤوس الشياطين، وهو ما جاء في سورة (الصافات) بقول الله عزَّ وجلّ فيها:

{إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) } .

طَلْعُها: أي ثمرها.

ففي أخيلة النّاس صورةٌ بشعة مرعبة لرؤوس الشياطين، فجاء تقريب صورة طلع هذه الشجرة الخبيثة، بأنّه أبشع وأقبح صورة تتخيّلونها، وهي رؤوس الشياطين.

9 -الإِتقان في إبراز دقائق الصورة:

ومن عناصر الجمال في الكلام الإِتقان في إبراز دقائق الصورة، ماديّةً كانت أو غير مادّية، وذلك لدى رسمها في الصورة الكلاميّة، مع استيفاء العناصر اللازمة لإِبراز الحقيقة بشكل جميل وواضح.

ويزيد الصورة جمالًا تركُ جوانب فيها يُتَابعها الفكر وحده، ويستكملها الخيال بنفسه، مع إيجاد المنافذ أو الإِشارات التي يُمْكِنُ الانطلاق منها إلى هذه الجوانب المتروكة، كالرمز، والإِشارة الخفيّة، وما يستتبعه الكلام باللّزوم الذهني، وغير ذلك.

ونلاحظ هذا العنصر الجمالي في قول الله تعالى في سورة (النور) :

{وَالَّذِينَ كَفَرُو ا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ (40) } .

القيعة: كالقاع وهو ما استوى من الأرض.

لُجِّيّ: أي عظيم عميق.

وفي قوله تعالى عقب النّص السابق بآيتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت