فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 183

وتُؤدّي كلّ مجموعة منها أغراضها من فنيّة العرض وتقديم الصُّور الجمالية والبيان البليغ، وتربية الإِقناع، واستثارة العظة، والإِعلام بما يُقْصَدُ الإِعلام به من مسائل الدّين وقضاياه، وتأكيد العظة والتوجيه بما يشبه التكرار وليس هو منه، كمن يأتي للقضيّة الواحدة بعِدّةِ أدلّة أو شواهد مختلفة، فالأدلة غيرُ مُكرَّرَةٍ لكنّ القضيّة التي سيقتْ لأجْلِها قد تكرّر تأكيدها.

وبهذا يتحقّق الغرضان الفنيّان:"التأكيد وعدم التكرير"مع جمال الأداء البيانيّ وكماله.

الفنّ السادس: ظاهرة استقطاع النّصوص من أزمانهِا الماضية أو المستقبلة، وعرضُها بألفاظها دون الإِشارة إلى أنه كان كذا فيما مضى، أو سيكون كذا فيما سيأتي.

الفنّ السابع: التنقُّلُ بين الأزمان والأمكنة بأسلوب المفاجأة دوم مقدّمة تُشْعِر بالانتقال، وكذلك التنقُّلُ والتراوح بين عالم الابتلاء وعالم الجزاء، على سبيل التعاقب في النصّ الواحد، ونظيره التَّنَقُّل والتراوُحُ بين المشاهد، من موقف الحساب مثلًا إلى مُسْتَقرّ الجزاء، إلى غير ذلك من مشاهد ومواقف أُخْرويّة، فإلى الحياة الدنيا وما فيها من أحداث، أو إلى ما تستدعي من خطاب، حتى كأنّ الزَّمَنَ كلَّه ماضيَه وحاضرَهُ ومُسْتَقبَلَهُ، مع الأمكنة كلّها من عالَم الابتلاء ومن عالم الجزاء على لوحة واحدة، تَنَقَّلُ عَليْها عدساتُ البيان حسب مقتضيات الإِثارة، ولَفْتِ النَّظر وشدِّ الانتباه.

إنّ هذا التنقُّلَ والتراوح المفاجئ دون مقدّمة تُشْعِر الانتقال، هو من الإِبداع الفنّي الذي لم يكن معروفًا في فنون الأدب قبل القرآن المجيد.

ففي طائفة من النصوص القرآنية نُلاحِظُ أنَّه بينما يكونُ النّصّ يخاطبُ الناس وهُمْ في عالم الابتلاء الدُّنيويّ، إذا به يَنْتَقِلُ مُفَاجأةً إلى مَشْهدٍ من مشاهدهم، وهُمْ في عالم الجزاء الأخروي، فإذا به يفاجئ بالحديث عنهم وهم في عالم الابتلاء الدنيويّ، مع التنويع في الأساليب، والتغيير في منهج الخطاب، الأمر الذي يشُدُّ الفكر من أعماقه، لدى من هو حريصٌ على تَلَقِّي المعرفة، وتَذَوُّقِ جمال البيان، وروعةِ الكلام البليغ، فَهُو بسبب ذلك يُتابعُ التَّدَبُّر بنشاطٍ فكريّ متجدّد.

على خلاف النَّمطِيّة الوَاحِدَة في أسلوب تقديم الأفكار، وعرض المعارفِ وسَرْدِها على وتيرة واحدة، فإنَ هذه النمطيّة الواحدة تجلُبُ الفتور، وشرودَ الذهن، وربّما نام معه المتلقّي، ولو كان راغبًا في التَّلقِّي وحريضًا عليه، وتكونُ حالُهُ كحال من ينام على نَعِيرِ الناعورة، وجعجعة الرَّحا.

هذه الفنون القرآنيّة البديعة فنونٌ تُرْضي وتُعْجبُ مشاعر الأذكياء، وتشُدُّهم إلى المتابعة والتفكُّرِ والاستنباط، فالإِنسان مجبولٌ بفطرته على الرغبة في الاستنباط، واستخراج الأشياء وفهمها بنفسه، ويَنْفِر من تَعْلِيمِه ما يستطيع اكتشافه بنفسه، وينفر من إخباره بما يستطيعُ إدْراكَهُ وتصوُّرَه بنفسه، من سلسلة الأحداث والوقائع، ولا سيما دقائقها العاديّة التي تكرَّر في الأشباه والنظائر.

وأُقَدّم فيما يلي طائفة من الأمثلة القرآنية الّتي تشتمل على روائع وبدائع من هذه الفنون السَّبْعَة:

المثال الأول:

جاء في سورة (ص) قول الله عزّ وجلّ:

{وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} .

"بِنُصْبِ": هذه قراءة جمهور القرّاء، وقرأ أبو جعفر المدني:"بِنُصُبٍ"وقرأ يعقوب البصري:"بِنَصَبٍ"وهي لغاتٌ عربيّة للكلمة، والمعنى فيها جَمِيعًا: بِتَعَبٍ وإعْيَاءِ ومَشَّقَّة.

في هذه الآية حكاية حدَثٍ مضى، وفق الأسلوب المعتاد في حكاية الأخبار، وعقِبَ هذه الحكاية للحدَث قال الله عزَّ وجلّ:

{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} .

الرَّكْضُ: ضرْبُ الشّيءِ بالرّجْلِ ونحوها من أعضاء الجسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت