فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 183

إنّنا نُلاحظ أنّ هذا مقطعٌ كَلامِيٌّ مُسْتقطعٌ من الماضي، محكيٌّ بصيغته الَّتي قيلت لأيّوبَ - عليه السلام - إبّانَ الحَدثِ الماضي، والذّهنُ يكشف أنّ الله عزّ وجلّ قال لأيّوبَ هذا القولَ، فَوْرَ ندائه رَبَّه:"أَنّي مَسَّنِي الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب"وطوى النصّ بعد ذلك ما فَعَل أيوبُ عليه السلام، من تنفيذ الأمر، وما أكرمَهُ به ربُّه من شفاء، وعطفَ الله عزّ وجلّ على هذا المطويّ قوله:

{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ} .

وعقبهُ مُبَاشرةً جاءَ نَصٌّ كلامِيٌّ مستقطعٌ من أحداث الماضي، محكيٌّ بصيغته التي قيلت لأيّوبَ عليه السلام، إِبّانَ الْحَدَثِ الماضي، فقال الله عزّ وجلّ:

{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ... } [الآية:44] .

هذا القول يشير إلى قِصَّةِ يَمِينٍ حَلَفَهَا أيُّوبُ على زوجته أن يَضْرِبَها مئة ضربٍ بالقضيب لأمرٍ مَا، فأفْتَاهُ الله بأنّ باستطاعته أن يَبَرَّ بيمينه دون أن يؤذيَ زوجته، وذلك بأن يأخُذَ حُزْمةً فيها مئة قضيب من القضبان الرّفيعة جدًّا، ويَضْرِبَها بِها ضربة واحدةً تقوم في وقت واحدٍ مقام ضربها مئة مرّة.

المثال الثاني:

جاء في سورة (ص) بعد حكاية ما أعطى الله عزّ وجلّ داود عليه السلام من مِنَحٍ وهبات، وما امتحنه به، وبعد بيان أنّ الله عزّ وجلّ قد غفر له، تأتي المفاجأة بنَصِّ كَلامِيّ مقتَطَعٍ من أحداثِ الماضي، وهو نصٌّ كان قد خاطب الله به داود عليه السلام بعد أن غفر له، فقال تعالى:

{يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} .

إنّ المعنَى الذهْنِي الذي يَقْتَضِيه النصّ هو عَلَى تقدير: وَبَعْدَ أنْ غَفَرَ اللَّهُ لِدَاوُد قال له: {يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ ... } .

ولكِنْ في التحليل الأدبيّ لفَنِّ حكاية الحدثِ لا يَصِحُّ تقديرُ مثل هذا الكلام، الذي قد يُلاحَظُ ذهنًا بأسرع من توارد الخواطر، التي تستدعيها الأشباه والنظائر، لأنّ مثل هذا التقدير يُفْقِد المفاجأة جَمالَها الأدبيَّ، وفَنِّيَّتَها الإِبداعيّة.

بل يَنْبَغِي أن تَبْقَى المفاجأةُ كاملةً في أدائها، ليَسْتَمْتِعَ مُتَذَوِّقُ الأدب بهذا اللّون من ألوان الجمال في أساليب الكلام الرفيع.

ونظير هذا النداء المفاجئ ما جاء في سورة (النمل) خطابًا لموسى عليه السلام، يقول الله عزّ وجلّ فيها:

{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَأَىهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يامُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} .

إنّ المعنى الذهني هو على تقدير: فلمَّا وَلَّى مُدْبرًا ولَمْ يُعَقِّبْ قُلْنَا لَهُ:

{يامُوسَى ... } لكِنَّ مثْلَ هذا التقدير لا يُصَرَّحُ به لدى التحليل الأدبيّ لأنّه يُفْقِدُ المفاجأةَ جمالَها وفَنِّيَّتَها الإِبداعيّة.

المثال الثالث:

وجاء في سورة (ص) قول الله عزّ وجلّ يحكي ما سيحدث للطاغين يوم الدّين من عذابٍ في جَهَنّم.

{هَاذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} .

ففي هذا النصّ حكاية أمْرٍ سيحدث في المستقبل يومَ الجزاء الأكبر، وبَعْدَهُ مباشرة جاء كلامٌ مُسْتَقْطَعٌ من الحديث الذي سَيَحدُثُ مستقبلًا، وهو مذكور بصيغتِهِ نفسِها التي ستقال، فقال الله عزّ وجلّ:

{هَاذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} .

حَمِيمُ: ماءٌ حارٌّ شَديد الحرارة.

غَسَّاق: سائل أصفر يشبه الماء الأصفر الذي تُفْرِزُه الجلودُ إذا تقرَّحَت أو احترقت.

وبعده جاء كلامٌ مستقطَعٌ أيضًا من الحديث الّذي سيكون، وهو كلامٌ سَيُقَالُ للطاغين وهم في جهنم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت