فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 183

بيانُ هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الثالثة من آيات الله التي وجّه النصُّ النظر لها، فقال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .

الخطوة الرابعة: التوجّه لشكر الله على نعمه الّتي اشْتَمَلَت عليها آياته في كونه، وقد حاء بيان هذه الخطوة بعد ذكر المجموعة الرابعة من آيات الله الّتي وجّه النصّ النظر لها، فقال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

ويُلاحظ متدبّر هذا النّصّ بأناةٍ أنّ هذه التعقيبات الأربعة صالحةٌ لأنْ تُذْكَرَ جميعُها عقب كلّ مجموعةٍ من المجموعات الأربع، ولكن جاء توزيعها عليها مراعاةً لفنّيّة الأداء البيانيّ، وابتعادًا عن تكريرها جميعًا مع كلّ مجموعة، أو حشرها جميعًا في آخر المجموعات، لأنّ كُلاًّ من التكرير والجمع أخيرًا يُضْعِفُ بلاغة النصّ، ويُنْزلُ من قيمة صياغته الفنيّة.

وقرينة توجيها لنظر لكلّ هذه المجموعات من آيات الله في كونه ضمن نصٍّ واحد، مع صلاحيّة هذه الآيات فكريًّا لأن يأتي التعقيبُ عليها بأيّ واحد من التعقيبات الأربعة، قرينةٌ دالّة على أنَّ المراد تعميمها على الجميع، وأنّ التعقيبات متكاملاتٌ فيما بينها.

فما جاء في هذا النصّ هو من أمثلة التكامل الإِبداعي في أساليب البيان القرآنيّ.

المقولة الثانية:

منهج البيان القرآني في حكاية الأقوال والأحداث والقصص

يشتمل البيان القرآنيّ في حكاية الأقوال والأحْدَاثِ والْقِصَص على وجُوهٍ فنّيّةٍ مختلفة، فيها إبداعٌ رائع لم يُعْرَف في بيان بُلَغاء الناس قبل القرآن.

ويُلاحِظُ مُتَدبّر كتاب الله عزَّ وجلَّ من هذه الوجوه المختلفة الفنون التالية:

الفنّ الأول: ما قد يشمل عليه النّصّ من تصوير الحدث الماضي، والحدث الآتي في المستقبل، كأنه حدَثٌ آنيٌّ يجري الآن، والصُّوَرُ التمثيليّة المستقطعة من الماضي أو من المستقبل يُؤتى بكل ظروفها الزمانيّة والمكانيّة وبأحداثها، فتُقَدَّمُ كأنّها أحداثٌ قائمة فعلًا، للإِشعار بأنها حقائق قد حدثت فعلًا، أو لا بدّ أن تحدثَ مستقبلًا.

الفنّ الثاني: ما قد يشتمل عليه النصّ من تصوير الحدث الذي سيأتي في المستقبل كأنّه حَدَثٌ جرى فعلًا فيما مضىَ، فهو يحكي أمرًا قد وقع.

الفنّ الثالث: ما قد يشتمل عليه النصّ من التقاط لقطاتٍ مثيرات ذوات أهميّة من الحدث، وترك الذهن يملأ الفراغات بين اللقطات، وهو نظير اللّقطات الفنيّة التي اكتشفها أخيرًا أصحابُ الفنّ السينمائي والتيلفزيوني، إذ يقتطعون من الأحداث التي يُقدّمها المشهد التمثيلي المصوّر، لقطات منتقيات تدلُّ على ما قبلها وعلى ما بعدها، ويعرضونها على شكل فقرات متتابعات من المشهد المعروف، مع أنّها متباعدات جدًّا في الواقع.

الفن الرابع: قد لا يُبْدأ في النّص بعرض الحديث من نقطة بدايته وميلاده، وتَسَلْسُلًا معه حتى آخر إجابةٍ عن التساؤلات حوله.

بل قد تستدعي فنّيّةُ الإِبداع بدْءَ العرض من أيّة فِقرَةٍ من أوساطه، والانْتِهاء عند أيّة فقرة، متى استوفى النبأ شروطه الفنيّة، أو استوفت القصّة شروطها الفنيّة وأدّت الغرض عن عرضها في الموضع الذي عُرضَتْ فيه.

الفنّ الخامس: قد تُعْرَضُ في النصّ الأوصاف وعناصر المشاهد والأحداث في لقطات مجزّآتٍ موزعات في السّور، وكلّ مجموعة من هذه اللّقطات قلّت أو كثُرتْ تُبْرِزُ ما تستدعيه المناسبة، أو فنيّة تجزئه العرض، وتوزيعه، وتأتَلِف مع سائر مجموعات اللّقطات لأوصاف الشيء أو عناصر المشهد أو الحدث ائتلافًا تكامليًّا لا تنافُر فيه، ولا تَخَالف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت