وأيضًا حافظاتٌ لما غاب عن النَّاس ممَّا يكون في بيوتهنَّ من أمور وأحوال، وما يجري بينهنَّ وبين أزواجهنَّ؛ فعن أسماء بنت يزيد أنَّها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرِّجال والنِّساء قعودٌ عنده، فقال: «لعلَّ رجلًا يقول: ما يُفعل بأهله، ولعلَّ امرأةً تخبر بما فعلت مع زوجها» . فسكت القومُ، فقلت: إي والله؛ إنَّهنَّ ليقلنَ وإنَّهم ليفعلون. قال: «فلا تفعلوا؛ فإنَّما ذلك مثل الشَّيطان لقي شيطانةً في طريق فغشيها والنَّاسُ ينظرون» [1] .
قال القرطبيُّ [2] : «فالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ
(1) أخرجه أحمد 6/ 456 - 457، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه ضعف، لكن للحديث شواهد يتقوَّى بها؛ منها حديث أبي هريرة بمعناه الذي أخرجه أحمد 2/ 20، 541، وأبو داود 2174، ومنها حديث سلمان الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 186، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه البزار كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» 4/ 294، 295.
(2) في «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 170. أحوال الناس وأمورهم، منها أحوال وأمور خاصَّةٌ الأولى سترُها؛ بل قد يجب سترُها؛ لما يترتَّب على إفشائها ونشرها من مفاسد، ومنها أمور عاديَّة لا يلزم التَّكَتُّم عليها؛ بل لا يحسن التَّكتُّم عليها؛ لما قد يترتب على ذلك من أضرار بين الأسر.
والناس في هذا بين طرفين، ووسط منهم مَن يَتَكَتَّم على كلِّ شيء؛ حتى على الأمور العاديَّة؛ ظنًّا منهم أنَّهم بهذا يحفظون أنفسَهم من العين؛ فتجدهم يحيطون أنفسَهم وأهليهم بهالة من التَّكَتُّمات؛ وإن أدَّى ذلك إلى سوء العلاقات بينهم وبين جيرانهم وأقاربهم ومَن له لهم معرفة، وما علموا أنَّ المعطيَ هو الله، وأنَّ الواقيَ هو الله، وأنَّ المطلوبَ من الإنسان فعلُ الأسباب مع الاعتماد على الله، وتحصين النَّفس بالأوراد الشَّرعيَّة؛ وهؤلاء أشبه حالًا بقارون الذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} . سورة القصص، الآية (78) ؛ لأنَّهم اعتقدوا أنَّهم بهذا الفعل حفظوا أنفسهم، حتى نشأت ناشئة من النَّاس تخشى من النَّاس أكثرَ ممَّا تخشى من الله، وضعف عندهم اليقينُ والاعتمادُ على الله من أجل هذه التَّربية العقيمة.
والطرف الثَّاني: مَن يفشي كلَّ شيء؛ وهذا لا ينبغي، وخير الأمور الوسط؛ فالأمورُ والأحوالُ الخاصَّةُ في البيت وبين الزَّوجين ونحو ذلك ينبغي سترُها.
والأمورُ العاديَّة لا يتكتَّم عليها، ولا يلزم من هذا أن نعلنها، ودينُ الله وسط بين الغُلُوِّ والجفاء والإفراط والتَّفريط، واللهُ المستعانُ.