ثم لما رأت قريش منهم هذا، وعلموا شدة تحزبهم، وتكاتفهم من أجل حماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اجتمعوا، وائتمروا أن يكتبوا كتابًا على بني هاشم، وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم، ولا يناكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا لهم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة، فأقاموا على ذلك سنتين، وقيل ثلاث سنين، حتى اشتد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه البلاء، والجوع، والعطش، وكانت أصوات النساء والصبيان تسمع من داخل الشعب، يتضاغون من الجوع، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالًا شديدًا.
ثم إن أبا طالب أنشد قصيدته اللامية المشهورة في ذلك التي أولها:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قومًا علينا أظنة ... يعضون غيظًا خلفنا بالأنامل