درهم زعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما. قال هذا إنكار تأويل لا إنكار جحد، لأنه لو كان يريد إنكار الجحد لأعلن على نفسه بالكفر. إذ أن من أنكر حرفا واحدا من القرآن فهو كافر لكنه أنكر إنكار تأويل، قال: إن الله يتكلم وإن الله اتخذ إبراهيم خليلا لكن ليس على المعنى الذي تريدون. اتخذه خليلا من الخلة"بالكسر"وهي الاحتياج والفقر وليس الخلة التي هي المحبة أو على أنواع المحبة.
ولم يكلم موسى تكليما بمعنى الكلام الذي يسمع لكن كَلَمَه أي جرحه بمخالب الحكمة، لأن الكَلْم في اللغة بمعنى الجرح، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما من مكلوم يُكْلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح المسك» [1] .
معنى كَلْمُه يعني جرحه هذا على سبيل الاستعارة. وعلى كلامه كأن الحكمة وحش لها أظفار جرح الله بها موسى عليه السلام ولا شك أن هذا الكلام منكر عظيم، ولكن من طبع على قلبه فإنه لا يرى الباطل باطلا والعياذ بالله، ويقال: إنه لما خرج خالد بن عبد الله القسري [2]
(1) أخرجه البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه. كتاب الجهاد رقم (2803) .
(2) الأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد ابن كرز البجلي القسري الدمشقي أمير العراقين لهشام وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان. له حديث في (مسند أحمد) وفي سنن أبي داوود، حديث رواه عن جدة يزيد وله صحبة (سير أعلام النبلاء ج 5 ص 425) .