وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا فُتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟» ، قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أو غير ذلك؟ تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، أو نحو ذلك» الحديث [1] ، رواه مسلم.
وفي الصحيحين [2] عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» ، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟، قال: «بركات الأرض» [3] . قالوا: يا رسول الله، وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: «لا يأتي الخير إلا بالخير، ولا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم [4] إلا آكلة الخضر [5] ، فإنها
(1) رواه مسلم في أول كتاب الزهد والرقائق، برقم (2962) .
(2) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم (6427) ، ومسلم - واللفظ له - في كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم (1052) .
(3) أراد بـ «زهرة الدنيا» حسنها وبهجتها، وبـ «بركات الأرض» نماءها وما يخرج من نباتها.
(4) «يلم» يقارب القتل. شرح مسلم (7/ 141) .
(5) قال ابن الأثير - رحمه الله - في النهاية في غريب الحديث، (ص: 268) : الخضر - بكسر الضاد: نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها. وأما قوله: «إلا آكلة الخضر» : فإن مثل للمقتصد، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويسبها، حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمرئها، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو بنجوة من وبالها، كما نجت آكلة الخضر.