يتقي الموت به أشياعه ... حين جفَّ الريق وأنشقَّ البصر
• وقد فرَّ الناس يوم حنين، وما ثبت إلا هو - صلى الله عليه وسلم -، وطفق يركض بغلته قبل الكفار، وعمُّه العباس آخذٌ بلجامها، يكفُّها عن الإسراع؛ فأقبل المشركون إليه فلما غشوه لم يفرَّ، ولم ينكص؛ بل نزل عن بغلته؛ كأنما يمكنُّهم من نفسه، وجعل يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطَّلب» [1] . كأنما يتحداهم ويدُّلهم على مكانه!!
• وكان صدره بارزًا للسيوف والرماح، يُصرع الأبطال بين يديه، ويُذبح الكماة أمام ناظريه، وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.
• إنها شجاعة لم تعرف لها البشرية نظيرًا؛ ولقد حقَّ لشجاعة الشجعان أن تتواضع لشجاعته - صلى الله عليه وسلم - إكبارًا لها وإجلالًا!!
• وكان أول من يهبُّ عند سماع المنادي، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق أناسٌ قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصَّوت، وقد تبيَّن الخبر، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عريٍ؛! ما عليه سرج، وفي عنقه السَّيف، وهو يقول: «لم تراعوا لم تراعوا» [2] .
فيا لها من شجاعة!! إذ هبَّ إلى موطن الخطر وحده، قبل أن يتحرك الناس،
(1) أخرجه البخاري (2930) ، ومسلم (1776) .
(2) أخرجه البخاري (2908) ، ومسلم (2307) ، من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -، و (عُريٍ) : ليس عليها سرج، و (تراعوا) : الروع؛ الخوف والفزع.