أبا عبد الله؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها، فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ قال: نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها، فإنه أسلم لدينك، وأقلّ لهمّك، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله عزّ وجلّ من الجهاد والحجّ والرباط وزيارة قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم زيارة أصحابه، محتسبًا بذلك ما عند الله عزّ وجلّ، والسفر في زيارة الأخ في اللهّ عزّ وجلّ مستحبّ مندوب إليه، روينا في خبر عن بعض أهل البيت عليهم السلام وقيل: مكتوب في التوراة سرْ ميلًا عد مريضًا، سرْ ميلين شيّع جنازة، سرْ ثلاثة أميال أجب دعوة، سرْ أربعة أميال زر أخًا في الله تعالى، وفي الخبر: أنّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرصد الله عزّ وجلّ على مدرجته ملكًا، فقال: أين تريد؟ فقال: أخًا لي في هذه القرية أزوره، قال: أبينك وبينه رحم تصلها؟ قال: لا، قال: فله عليك نعمة تردها، قال: لا إلا ّ أني أحببته في الله عزّ وجلّ، قال: فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك، وإن سافر إلى بعض الثغور ناويًا رباط أربعين يومًا أو ثلاثة أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثًا فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه.
روي عن عليّ عليه السلام أنه سأل رجلًا بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثاًِ ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشدّ الرحال فهو أفضل، أولاها المسجد الحرام، ومسجد الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومسجد بيت المقدس، فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخرج ابن عمر من المدينة قاصدًا إلى بيت المقدس حتى صلّى فيه الصلوا ت الخمس، ثم كرّ راجعًا من الغد إلى المدينة، وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى: إنّ من قصد هذا المسجد لا يهمه إلاّ الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيمًا فيه حتى يخرج منه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله عزّ وجلّ وحرم رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكثر من أن نذكرها، وإن سافر طلبًا للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان، وليكن العبد في سفره مراعيًا لهمه، حافطًا لقلبه من التشتّت والطمع