نيته طلب الآخرة وأهلها أعطي من البصيرة والفطنة، وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته، وجمع له همه وملك من الدنيا بالقناعة والزهد شغله، ودعت له الملائكة واستغفرت له، فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه واستكشاف حاله وامتحان أوصافه، لأنّ النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في الحضر، وربما استكانت وأجابت في السفر، فإذا وقعت علها أثقال الأسفار ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها وانكشفت دواعيها، فيكون المسافر في علوم وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها، ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه الله عزّ وجلّ لمحبيه متى شاء، كما قال جلّ وعلا: (يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّمَواتِ وَالأرْضِ) النمل: 25، فإن خرج سائحًا في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله عزّ وجلّ السائحون قيل: في طلب العلم، وقيل: هم طلبة العلم، وقد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد، وقال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى، ما رأيت أنّ سفره كان ضائعًا، ورحل جابر بن عبد الله من المدينة وغيره من الصحابة إلى مصر فساروا شهرًا في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سمعوه، ومن سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أنْ يحصى، وفي الخبر: من خرج من بيته في طلب العلم، فهو في سبيل الله عزّ وجلّ حتى يرجع.
وفي خبر آخر: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله عزّ وجلّ له طريقًا إلى الجنة، ويقال: إنّ النفقة في العلم كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة، وإن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر: كانوا يحجون للقاء، والحجّ من أفضل الأسفار فجعلوه سببًا للقاء الأخيار، فإن نوى القرب من الأمصار طمعًا في سلامة دينه وبعدًا من تعلّق النفس بما في الحضر من حظّ دنياه فحسن، وربما خرج طلبًا للخمول والذلة، خشية الفتنة بالشهرة، ورجاء صلاح قلبه، واستقامة حاله في البعد من الناس، ورياضة بالتفرق والتوحّد إلى أن يقوّي يقينه ويطمئن قلبه، فيستوي عنده الحضر والسفر، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم، وقد قال الثوري: هذا زمان سوء لايؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين، وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره، وقال أبو نعيم: رأيت الثوي وقد علق قلّته بيده، ووضع جرابه على ظهره، فقلت له: إلى أين يا