وأشد ليكون أكثر انطباقا على حال الكفار من المشهد الأول. ولقد وجدت الفخر الرازي يجيز حمل (أو) في الآية على هذا المعنى من غير أن يفصل القول في كيفية ذلك فيقول متسائلا: (( لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ الجواب من وجوه أحدها: لأن «أو» في أصلها تساوي شيئين فصاعدًا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، [ونقل كلام الزمخشريّ المتقدم كاملا، إلى أن قال] ، وثانيها: إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} (البقرة: من الآية 135) ، وقوله: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} (الأعراف:4) ، وثالثها: (أو) بمعنى بل قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات:147) ، ورابعها: (أو) بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى: {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} (النور: من الآية 61) . )) [1] ، والمعنى الثالث الذي أشار إليه هو ما بينته آنفا.
إن من أوجه إعجاز القرآن أن الرائي له كلما اختلفت زاوية الرؤية عنده للآية اختلف المعنى بما يلائم ذلك الفهم، فهذه المعاني الستة التي ذكرت قد يصح كل واحد منها في حال فرد خاص فإذا أراد شخص تشبيه الكافرين بأحد هذين المثلين أو بهما معا تنوعت الرؤى بحسب تفسير السياق، وتبعا لهذا التنوع يفسر معنى (أو) الخاص، ولا يمنع هذا من أن تكون الأوجه الأربعة التي ذكرها العكبريّ هي المعاني الأربعة الرئيسة التي يزيدها السياق دائما على (أو) ، وقد تُحمَلُ على المعنيين الآخرين في حال توسع الكلام، وخلاصة الكلام إن (أو) في الآية قد حملت على ستة معان مختلفة، وما هذا إلاَّ لاختلاف تأويل السياق العام للنص الواردة فيه، وقابلية المعنى العام للحرف للتلون بمعان خاصة تبعا للسياقات المختلفة للكلام.
· قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} (الإنسان:24) ، المعنى الهامشي لـ (أو) هنا الإباحة إذ هي داخلة على طلب، ولكن لما دخلت (لا) الناهية على الطلب امتنع فعل الجميع، هذا ما صرح به سيبويه وأيده علماء اللغة، قال سيبويه: (( تقول: كُلْ لحما أو خبزا أو تمرا، كأنك قلت كُلْ أحدَ هذه الأشياء، ... ، وإن نفيت هذا قلت لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا. كأنك قلت لا تأكل شيئا من هذه الأشياء. ونظير ذلك قوله - عز وجل: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي لا تطع أحدا من هؤلاء. ) ) [2] ، وقد وافقه كثير من العلماء واصفين إياه نهيٌ عما كان مباحا، فهو يشملُ النهيَ الداخل على المباح والنهيَ الداخل على التخيير؛ إذ المعنى لا تطع أحدهما وأيهما فعل فهو أحدهما ويكون داخلا في المحذور، وهو مخالفة النهي [3] .
وليس غريبا أن نجد من يحاول تكثير الأقسام وتفريع الفروع، فيعدُّ من معاني (أو) أنها تأتي بمعنى (ولا) ، قال الفراء: (( {أو} ها هنا بمنزلة(لا) ، و (أو) في الجحد والاستفهام والجزاء تكون في معنى (لا) ، فهذا من ذاك، ... ، وقد يكون في العربية: لا تطيعن منهم من أثم
(1) - مفاتيح الغيب: 3\ 315.
(2) - الكتاب: 3\ 184.
(3) - ظ: اللباب في علل البناء والإعراب: 423، مغني اللبيب: 88.