أو كفر، فيكون المعنى في (أو) قريبا من معنى (الواو) . )) [1] ولو حاولنا أن نضع (لا) مجردة مكان (أو) في الآية يكون التقدير في غير القرآن على هذا النحو (ولا تطع منهم آثما لا كفورا) ، وهكذا لا يستقيم المعنى قطعا، فلابدَّ من تقدير (الواو) مع (لا) ، وهذا ما أشار إليه في عجز كلامه فقرَّب (أو) من معنى الواو في بعض الكلام ولكن تقدير (أو) في الآية بمعنى الواو لا يستقيم أيضًا - كما سيتبين بعد قليل - وقد حكى كلام الفراء هذا بعض العلماء، منهم الطبري والزجاج والنحاس [2] ، وقد نقل أبو حيان الأندلسيّ عن أبي عبيدة قوله بأن (أو) هنا بمعنى الواو [3] ، لكن الزجاج رفض أن تكون (أو) هنا بمعنى الواو، وأيده أكثر المحققين في هذا الرأي؛ لأنه لو قيل: ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما، لأن النهي عن طاعة مجموع شخصين لا يقتضي النهي عن طاعة كل واحد منهما وحده، أما النهي عن طاعة أحدهما فيكون نهيًا عن طاعة مجموعهما؛ لأن الواحد داخل في المجموع [4] .
قال مكي بن أبي طالب (ت 437 هـ) : (( {أو} للإباحة، أي لا تطع هذا الضرب، وقال الفراء {أو} في هذا بمنزلة(لا) ، أي لا تطع من أثم ولا من كفر، وهو بمعنى الإباحة التي ذكرنا، وقيل {أو} بمعنى الواو، وفيه بُعدٌ. )) [5] ، وهذا الكلام هو نفسه الذي قلته قبل قليل، ولم يذهب الزمخشري بعيدا عنه في تأويل هذه الآية الكريمة، إذ يقول: (( فإن قلت معنى(أو) : ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو ليكون نهيًا عن طاعتهما جميعًا؟ قلت: لو قيل: ولا تطعهما، جاز أن يطيع أحدهما؛ وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أنَّ الناهي عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعًا أنهى. كما إذا نهى أن يقولا لأبويه: أفٍّ، علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى. )) [6] ، وكذلك صرَّح أبو البركات الأنباريّ (ت 577 هـ) بأن (أو) في هذه الآية: (( للإباحة، أي لا تطع هذا الضرب، كقولك في الأمر: جالس الحسن وابن سيرين، أي أبحت مجالسة هذا الضرب من الناس، والنهي في هذا كالأمر، ولو قال: لا تطع آثما لا تطع كفورا، لأنقلب المعنى لأنه حينئذ لا تحرم طاعتهما كليهما. ) ) [7] .
ونقل المراديُّ عن ابن مالك قوله: (( إنَّ(أو) توافق (ولا) بعد النهي كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما ولا كفورا} ، وبعد النفي كقوله تعالى: {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} (النور: من الآية 61) . )) [8] ، ولكن المالقيَّ ردَّ هذا القول ورجع (أو) في الآية لمعنى الإباحة، ونقل اتفاق القوم على أن النهي إذا دخل على الإباحة فإنه يشمل ما كان مباحا ويستوعبه، وإذا دخل على التخيير نقل مخالفة ابن كيسان لبقية العلماء في استيعابه للجميع كالأول [9] . وأقول إن تقدير الفراء لـ (أو) في هذه الآية بـ (ولا) هو نفسه القول بأنها للإباحة، وقد دخل النهي على المباح فأستغرق أفراده، أما (لا) هذه زائدة قد جاءت مؤكدة لـ (لا) الأولى ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع، لا بِكُلِّ واحد من الأفراد [10] ، أما رأي بعض العلماء المخالف لما عليه الأكثرية فله احترامه، لكنه لا ينقض الفهم الذي عليها الأكثرية منهم.
إن تخريج الزمخشريّ والأنباريّ للمعنى من هذا الباب يؤكد فرضية الدلالة المركزية للحرف الذي تشترك فيه المعاني الخاصة المتكونة بتأثير السياق الخاص لكل نص، والمعنى
(1) - معاني القرآن: 3\ 219 - 220، وينظر معه: الإنصاف في مسائل الخلاف: 2\ 479، 483.
(2) - ظ: جامع البيان: 29\ 213، معاني القرآن وإعرابه (الزجاج) :5\ 263، إعراب القرآن (النحاس) : 3\ 584.
(3) - ظ: البحر المحيط: 10\ 370.
(4) - ظ: معاني القرآن وإعرابه (الزجاج) :5\ 263، مفاتيح الغيب: 30\ 758، التبيان في إعراب القرآن: 2\ 277.
(5) - مشكل إعراب القرآن: 2\ 788.
(6) - الكشاف: 4\ 200، وينظر معها: 1\ 209، إذ صرّح هنا أنها للإباحة.
(7) - البيان في إعراب غريب القرآن: 2\ 484 - 485.
(8) - الجنى الداني: 247.
(9) - ظ: الجنى الداني: 247 - 248.
(10) - ظ: مغني اللبيب: 90.