الشك. )) [1] ، وإذا تذكرنا أن الفرق بين التخيير والإباحة أننا في الأولى لا يحق لنا الجمع بين الشيئين وإنما علينا اختيار واحد منهما، وفي الإباحة نتمكن من الجمع بينهما، فعلى هذا الفارق يكون رأي الزجاج والطبرسيّ والزمخشريّ أولى بالقبول من رأي الطوسيّ؛ إذ الحال يسمح أن نُمَثِلَ الكافرين بأحد المثلين أو بكليهما معا.
زاد العكبريُّ على الأوجه الثلاثة المتقدمة وجها رابعا؛ إذ يقول: (( قوله تعالى {أو كصيب} في(أو) أربعة أوجه: أحدها أنها للشك، وهو راجع إلى الناظر في حال المنافقين، فلا يدرى أيشبههم بالمستوقد أو بأصحاب الصيب، كقوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات:147) : أي يشك الرائي لهم في مقدار عددهم، والثاني أنها للتخيير: أي شَبِّهُوهمْ بأي القبيلتين شِئتُم، والثالث أنها للإباحة، والرابع أنها للإبهام، أي بعض الناس يشبههم بالمستوقد، وبعضهم بأصحاب الصيب، ومثله قوله تعالى: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} (البقرة: من الآية 135) أي قالت اليهود كونوا هودا، وقالت النصارى كونوا نصارى، ولا يجوز عند أكثر البصريين أن تحمل (أو) على (الواو) ، ولا على (بل) ما وجد دون ذلك مندوحة. )) [2] لقد ذكر العكبريُّ أربعة أوجه لمعنى (أو) ولمَّحَ إلى وجهين آخرين يمكن حملها في الآية عليهما هما الإضراب ومعنى الواو، الذي قال به الطبري وغيره، لكن العكبريَّ لا يرى صحة حمل (أو) في الآية على أحد هذين الوجهين، وكأنه يرى أنه حمل على معنى بعيد، وعنده أنَّ الأولى حمل المعنى على أحد الأوجه التي ذكرها فهي أقرب للمعنى.
وأعتقد أنَّ السياق يحتمل الحمل على أيٍّ من الأوجه الأربعة التي أشار إليها العكبريُّ، وذلك كلما اختلفت زاوية نظر المفسر إلى النص، ويحتمل كذلك حملها على معنى الواو - كما قال به الطبري وآخرون - ولا يبعد أنه يحتمل أيضًا أن يحمل على معنى الإضراب أي بمعنى (بل) [3] ؛ إذ المَثلُ الأول الذي ذكرته الآية الكريمة كان أقل في شدَّة تمثيله لحال الكفار من الثاني، فهو يصفهم كمن أستوقد نارا، وما أن فَرِحَ بضوئها واطمأن بدفئها، وانتشر الضياء في أرجاء مكانه، حتى ذهب الله بنوره، فبقي في ظلمات لا يبصر، وقد أدهشته الظلمة والخوف منها والرعب من الوحشة فأخذت عليه حواسه، فإذا به أصم أبكم أعمى. أما في المثل الثاني فالحال مختلف تماما، والمشهد الذي يصوره القرآن في تصاعد متمشيا مع أحاسيس المتلقي، فإذا به يصف لنا شخصا يعاني الأهوال المتعددة المتنوعة في آن واحد، فبين مطر مظلم يتساقط من السماء، ورعد يصك عليه سمعه ويدخل الرعب في قلبه، وبرق تخطف قوَّة نوره من نفسه السكينة والاستقرار، وصواعق لا يقدر على مشاهدتها ولا سماع أصواتها، فما يملك إلاَّ أن يضع أصابعه لا أنامله ويدعسها بقوة في آذانه عسى أن تخفف من الهول الذي يسمعه ويراه، وهو في هذا الحال متخبط بين المشي في لحظات أضاءت البرق، وتعثره وانكبابه على وجه في ظلمات المطر.
إنَّ المشهدَ هنا متحركٌ، يصف حالَ شخص أو أشخاص يقومون ويقعون، وهم يذوقون المَرَارَ مما هم فيه من ألوان العذاب، ويصارعون هذا الموقف العظيم، في حين كانت الصورة في المثل الأول أقل حركة من هذا المشهد وقد تكون ساكنة، وهذا الانتقال من مشهد قرآني إلى آخر أكثر حركيَّة منه، يحتمل أن نحمل (أو) في الآية على أنها بمعنى (بل) ، وإن المتلقي بينا يتصور حالهم على المثل الأول، وإذا به يضرب عن هذا الحال إلى تمثيلهم بمشهد آخر أصعب
(1) - الكشاف: 1\ 213.
(2) - التبيان في إعراب القرآن: 1\ 21 - 22.
(3) - ظ: الإنصاف في مسائل الخلاف: 2\ 478.