فوجدته في صدر البيت؛ غير أني لم أعرفه لتغير حاله عما عهدته عليه يوم كان واليا على المدينة؛ فرحب بي وقال: ادنُ مني يا أبا حازم!
فلما دنوتُ منه قلت: ألست أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؟ فقال: بلى .. فقلت: ما الذي حل بك؟! ألم يكن وجهك بهيا .. وإهابك طريا .. وعيشك رخيا .. ؟! فقال: بلى .. فقلت: فما الذي غير بك بعد أن غدوت تملك الأصفر والأبيض، وأصبحت أميرا للمؤمنين؟! فقال: وما الذي تغير بي يا أبا حازم؟! فقلت: جسمك الذي نحل .. وجلدك الذي اخشوشن .. ووجهك الذي اصفر .. وعيناك اللتان خبا ومضهما ..
فبكى وقال: فكيف لو رأيتَني في قبري بعد ثلاث؛ وقد سالت حدقتاي على وجنتيّ .. وتفسَّخ بطني وتشقَّق .. وانطلق الدود يرتع في بدني .. إنك لو رأيتني آنذاك يا أبا حازم؛ لكنتَ أشد إنكارا لي من يومك هذا ..
وعن مغيرة قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استُخلف، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له"فدك" [1] ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى .. فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر؛ عملا فيها عمله، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لي .. فرأيت أمرا منعه رسول
(1) هي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع صلحا؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر وفتح حصونها، ولم يبق إلا ثلاث، واشتد بهم الحصار، راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك؛ فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.