{جِئْتُكُمْ} لأن المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية. شبّه أمر الله إيّاه بأن يبلغ رسالته بمجيء المرسل من قوم إلى آخرين , ولذلك سُمي النبي رسولا].
ثم قال:[والخلق: حقيقته تقدير شيء بقدر، ومنه خلْق الأديم , تقديره بحسب ما يراد من قطعه قبل قطع القطعة منه. قال زهير:
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
يريد تقدير الأديم قبل قطعه , والقطع هو الفري، ويستعمل مجازا مشهورا أو مشتركا في الإنشاء والإبداع على غير مثال ولا احتذاء، وفي الإنشاء على مثال يبدع ويقدر، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ... } [1] , فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود , والخلق هنا مستعمل في حقيقته أي: أقدِّر لكم من الطين كهيئة الطير، وليس المراد به خلق الحيوان، بدليل قوله: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} ].
وقال: [وزاد قوله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} لإظهار العبوديّة، ونفي توهم المشاركة في خلق الكائنات] .
ثم ختم تفسير هذه الآية ببيان أن هذه المعجزات هي تأييد من رب العالمين ولا تدل من قريب ولا من بعيد على أن عيسى مستحق للإلوهية , فقال: [وقولهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} جعل هذه الأشياء كلها آيات تدعو إلى الإيمان به، أي إن كنتم تريدون الإيمان، بخلاف ما إذا كان دأبكم المكابرة. والخطاب موجه منه إلى بني إسرائيل , فإنهم بادروا دعوته بالتكذيب والشتم. وتعرض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذين جعلوا منها دليلا على ألوهية عيسى، بعلّة أن هذه الأعمال لا تدخل
(1) سورة الأعراف , من الآية: 11.