ومنهُ: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) } [1] يعني: النُّجومَ تَجري في أفلاكِها ثم تَخنُسُ؛ أي: تَميلُ للغروبِ، أو: تَجري في أفلاكِ استِقامتِها ثم تَميلُ في أفلاكِ تَداويرِها، ونحوها مِن أحوالِ رُجوعِها.
• قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} يحتملُ هذا وَجهَين:
أحدُهُما: أَنْ يكونَ المعنى: الذي يُوقِعُ الوَسوَسَةَ في صُدورِ النَّاسِ.
فيكونُ ذلكَ: أعمُّ مِن أنْ يكونَ هوَ في الصُّدورِ أو خارِجًا عنها.
الثَّانِي: أنْ يكونَ المعنى: الذي يُوَسوِسُ كائِنًا أو مُستقرًِّا فِي صدورِ النَّاسِ.
فيكونُ: مَحَلُّ الجارِّ والمجرورِ نَصبًا على الحالِ.
وهوَ أوفَقُ للسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، وهوَ قولُهُ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنْ اِبنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ» [2] .
(1) سُورَةُ التَّكويرِ: 15 - 16.
(2) أَخرَجَهُ: البُخاري (رَقْم: 3281) ومُسلم (رَقْم: 2175) وأبو داود (رَقْم: 2470 و 4994) وابن ماجة (رَقْم: 1779) وأحمد (رَقْم: 26322) والدَّارِمي (رَقْم: 1780) مِنْ حَديثِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ؛ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» . فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا» ) .