كفروا بما جاءتهم به رسلهم من البينات؛ لمخالفتها لما وجدوا عليه الآباء، فدلت كلها على تحريم تقليد الآباء وإبطاله، إعراضًا عما جاءت به الرسل من عند الله.
وقد يرد على وجه الاستدلال من هذه الآيات على تحريم تقليد الآباء اعتراضٌ، وهو أن هذه الآيات واردة في حق المشركين، الذين قلدوا آباءهم في الكفر بالله -تعالى- وعبادة الأصنام، فهي تدل على المنع من تقليد الآباء في أصول الدين؛ فلا تكون دليلا على تحريم تقليد الآباء غير المشركين في فروع الدين.
والجواب على هذا الاعتراض: أن هذه الآيات -وإن كانت واردة في المشركين- فلا يمتنع الاحتجاج بها والاستدلال بها على المنع من تقليد غير الآباء الكفار؛ لأن التشبيه لم يكن من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما التشبيه بين المقلدين في الفروع - ممن لا يجوز لهم التقليد - وبين المقلدين لآبائهم في عبادة الأصنام، من جهة كون التقليد وقع بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجه الحق فيها، فإن كل واحد من هؤلاء المقلِّدين مذموم على التقليد بغير حجة ودليل؛ لتشابهم في التقليد، وإن اختلف آثامهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قد ذم الله -تعالى- في القرآن من عَدَل عن اتباع الرسول إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله وهو أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ا. هـ [1] .
وأما النوع الثاني: فقد وردت فيه آيات منها:
1 -قوله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [2] .
(1) - انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جـ 20 ص 15 - 16.
(2) - سورة الإسراء آية: 36.