الصفحة 6 من 23

المطلب الثاني: مشروعية الإثبات

إن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تشريع القضاء كهيئة مستقلة، هو إظهار الحق والإعانة عليه، وقمع الباطل سواء أكان الباطل ظاهرًا أم خفيًا. [1]

وعليه فإن الشريعة الإسلامية قد أوجبت إيصال الحقوق إلى أهلها، ومن الأسباب التي تعين على إيصال الحقوق إلى أهلها بداية توثيق الحقوق، وإثباتها عند التجاحد، وإلا ادعى رجال دماء أناس وأموالهم، وقد بين ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:"لو يعطى الناس بدعواهم لدعا رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" [2]

وقد علق ابن حزم الظاهري على الحديث فقال:"لو أُعطي كل امرئٍ بدعواه ما ثبت حق ولا باطل، ولا استقر ملك أحد على أحد" [3] وقد أكدت آية الدين مشروعية الإثبات، فقد قال الله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلَا يَابَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ] {البقرة:282} فهذه الآية تدل دلالة واضحة على مشروعية الإثبات في جميع الأمور وإن ذكر الدين والأموال على مشروعية الإثبات في جميع الأمور وإن ذكر الدين والأموال، ويقاس عليها جميع الحقوق، وإلا أدى ذلك إلى ضياع الحقوق والدماء والأموال. [4]

وقد قال الله تعالى [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (البقرة: من الآية282) . وهذه الآية طلبت التوثيق بالشهادة والشهادة أحد وسائل الإثبات التي تؤدي إلى حفظ الحقوق.

فالإثبات هو (المعيار في تميز الحق من الباطل والسمين من الغث، وهو الحاجز أمام الأقوال الكاذبة والدعاوى الباطلة) [5]

والشريعة الإسلامية اهتمت بتوثيق الحقوق سواءً كانت حقوق عامة، أو خاصة، أو حقوق لله تعالى، أو حقًا للعباد، أو حقوق مالية أو عائلية. [6]

ويؤكد الدكتور محمد الزحيلي أن للإثبات أهمية كبيرة فيقول"إن وظيفة الإثبات يومية ودائمة على مر الزمان والعصور، ويلجأ إليه الأفراد في كل نزاع، ويستخدمه القاضي في كل قضية ونكتفي أن نلقي نظرة سريعة إلى إحدى المحاكم لنر مئات الأشخاص وآلاف الدعاوى توقف سلبًا أو إيجابًا على الإثبات) [7] "

(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة العامة، ص366.

(2) الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، 3/ 366، وقال الإمام الألباني حسن، 4 الجصاص.

(3) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1/ 122.

(4) الجصاص، أحكام القرآن، 1/ 657؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 3/ 363 - 365.

(5) الدكتور محمد الزحيلي، وسائل الإثبات، ص33.

(6) الدكتور محمد الزحيلي، وسائل الإثبات، ص34

(7) الدكتور محمد الزحيلي، وسائل الإثبات، ص35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت