ويأخذ هذا الاختراق شكل الترويج لقيم وعلامات تصب مباشرة في تدمير المناعة الثقافية العربية، مثل مهاجمة"العقل العربي"و"الشخصية العربية"والتشكيك بالأمة العربية وهويّتها الحضارية، والترويج لمزاعم الصهيونية والتيّارات الشعوبية الحاقدة، التي تصرّ على مزاعم متجدّدة كالقول بأن"العرب نَقَلة للحضارة"أو"مترجمين"أو"لا يتمتعون بعقل علمي -تحليلي نقدي، أو الترويج لأطروحة"الشعوب والأقوام والقبائل الناطقة بالعربية .. وأنّ الثقافة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة مجرّد وهم وخرافة" (7) ."
فالعقل الصهيوني بات يدرك أنه إذا كانت الثقافة العربية صعبة الاختراق لعراقة جذورها ومتانة مقاومتها، لذلك لجأ إلى وسيلة أيسر وأسهل، تتمثّل في اختراق بعض المثقفين العرب، الذين يمكن استخدامهم كأدوات لتفكيك حصن الثقافة العربية ودكّ أساسها من الداخل. ويأخذ هذا الاختراق أشكال وأساليب متنوعة من التطبيع وتصفية مصادر أو منابع العداء في الفكر السياسي العربي، ومحاولة إلغاء مايسمى بـ"الطابع السلبي"السائد في الأيديولوجية القومية العربية تجاه (إسرائيل) والصهيونية، وخلْق قاعدة فكرية للتواصل والتعامل المباشر مع بعض القوى والهيئات والجماعات والنخب الفكرية والسياسية القائمة. لذلك لم يكن مُستغربًا أن يكون العمل الأوّل الذي قام به أول سفير (إسرائيلي) في مصر، عقب تسلّم مهام عمله في 17 شباط، فبراير 1980، أنْ قدم"شيكًا"لتوفيق الحكيم، على أنه قيمة حقوقه الماديّة من ترجمة كتبه وطبعها في الكيان الصهيوني.