الصفحة 50 من 85

وصاحب هذا القول يقول: موجب العقد التسليم عقيبه فلا يجوز التأخير. فيقال له: لا نسلم أن هذا موجب العقد: إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على أنفسهما وكلاهما منتف فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحق التسليم عقب العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه كما إذا باع معينا بدين حال وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن كما في السلم ; وكذلك في الأعيان.

وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم كما كان لجابر حين باع بعيره من النبي صلى الله عليه وسلم واستثنى ظهره إلى المدينة ; ولهذا كان الصواب أنه يجوز لكل عاقد أن يستثني من منفعة المعقود عليه ما له فيه غرض صحيح كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة أو دوابه واستثنى ظهرها أو وهب ملكًا واستثنى منفعته أو أعتق العبد واستثنى خدمته مدة ; أو ما دام السيد أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته وأمثال ذلك.

وهذا منصوص أحمد وغيره وبعض أصحاب أحمد قال: لا بد إذا استثنى منفعة المبيع من أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة بناء على هذا الأصل الفاسد وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد.

وهو قول ضعيف. وعلى هذا الأصل قال من قال: إنه لا تجوز الإجارة إلا لمدة تلي العقد وهؤلاء نظروا إلى ما يفعله الناس أحيانا جعلوه لازما لهم في كل حال وهو من القياس الفاسد.

وعلى هذا بنوا إذا باع العين المؤجرة فمنهم من قال: البيع باطل لكون المنفعة لا تدخل في البيع فلا يحصل التسليم. ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع بخلاف المستثنى بالشرط.

ولو باع الأمة المزوجة صح باتفاقهم وإن كانت منفعة البضع للزوج وقد فرق من فرق بينهما بما قد بسط في موضعه. والمقصود هنا: أن هذا كله تفريع على ذلك الأصل الضعيف وهو أن موجب العقد استحقاق التسليم عقبه والشرع لم يدل على هذا الأصل ; بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان وتارة يكون موجب العقد تأخير التسليم لمصلحة من المصالح.

وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم جوز بيع الثمر بعد بدو الصلاح مستحق الإبقاء إلى كمال الصلاح وعلى البائع السقي والخدمة إلى كمال الصلاح ويدخل في هذا ما هو معدوم لم يخلق وهذا إذا قبض كان بمنزلة قبض العين المؤجرة فقبضه يبيح له التصرف فيه في أظهر قولي العلماء وهو أصح الروايتين عن أحمد وقبضه لا يوجب انتقال الضمان إليه بل إذا تلف الثمر بعد بدو صلاحه كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو مذهب أهل الحديث: أحمد رضي الله عنه وغيره وهو قول معلق للشافعي وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟) .

وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان وما لم يجوز التصرف لم ينقل الضمان ; بل قبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان.

ومن هذا الباب بيع المقاثي ; فإن من العلماء من لم يجوز بيعها إلا لقطة لقطة لأنه بيع معدوم وجعلوا هذا من بيع الثمر قبل بدو صلاحه. ثم من هؤلاء من قال: إذا بيعت بعروقها كان كبيع أصل الشجر مع الثمر وذلك يجوز قبل ظهور صلاحه ; لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) .

فإذا اشترط الثمر دخل في البيع وهنا جاز بيع الثمر قبل بدو صلاحه تبعا للأصل ; ولهذا تكون خدمته على المشتري ومعلوم أن المقصود من الشجر هو الأصل والمقصود في المقاثي هو الثمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت