فلا يقاس أحدهما بالآخر. ومن العلماء من جوز بيع المقاثي كما هو قول مالك وغيره وهو قول في مذهب أحمد. وهذا أصح ; فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه إذ لا تتميز لقطة عن لقطة وما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى عن بيعه كما تقدم والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمار التي يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها فلم تدخل المقاثي في نهيه ولذلك كثير من العلماء أدخلوا ضمان البساتين في نهيه فقالوا: إذا ضمن الحديقة لمن يعمل عليها حتى تثمر بشيء معلوم كان هذا بيعا للثمر قبل بدو صلاحه ; فلا يجوز.
ومن الناس من حكى الإجماع على منع هذا وليس كما قال ; بل قد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين ويستلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد ; لأنه كان وصيه وقد جوز ابن عقيل ضمانها مع الأراضي المؤجرة إذا لم يمكن إفراد أحدهما عن الآخر وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث وقضية عمر بن الخطاب مما يشتهر مثلها في العادة ولم ينقل أن أحدًا من الصحابة أنكره فالصواب ما فعله عمر بن الخطاب إذ الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد؟ ثم إذا استأجر أرضًا ليزرعها جاز هذا مع أن المستأجر مقصوده الحب لكن مقصوده ذلك بعمله هو لا بعمل البائع وكذلك الذي يستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيها حتى تثمر هو بمنزلة المستأجر ليس بمنزلة المشتري الذي يشتري ثمرًا وعلى البائع مئونة خدمتها وسقيها.
فإن قيل: هذه أعيان والإجارة لا تكون على الأعيان. قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن الأعيان هنا حصلت بعمله هو من الأصل المستأجر كما حصل الحب بعمله المؤجر في أرض وإذا قيل: الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر المؤجر: كان هذا فرقا لا أثر له في الشرع ألا ترى أن المساقاة كالمزارعة؟ والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الحاصلة من أصل المالك ; والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك وإن كان البذر من المالك ; وكذلك إن كان البذر منه كما ثبت بالسنة وإجماع الصحابة فالبذر يتلف لا يعود إلى صاحبه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم) .
فالأرض والنخل والماء كان للنبي صلى الله عليه وسلم واستحقوا بعملهم جزءًا من الثمر كما استحقوا جزءا من الزرع ; وإن كان البذر منهم والشجر من النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أن هذا الفرق لا تأثير له في الشرع وإذا لم يؤثر في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى ; فإن استئجار الأرض ليس فيه من النزاع ما في المزارعة فإذا كانت إجارتها أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أجوز من المساقاة.
الوجه الثاني: أن نقول: هذا كإجارة الظئر والبئر ونحو ذلك والكلام على هذا هو الكلام على الأصل الثاني في الإجارة فنقول: قول القائل: إن إجارة الظئر على خلاف القياس إنما هو لاعتقاده أن الإجارة لا تكون إلا على منافع أعراض لا تستحق بها أعيان وهذا القدر لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئًا بعد شيء مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر والشجر ; واللبن في الحيوان ; ولهذا سوى بين هذا وهذا في الوقف ; فإن الأصل تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة فلا بد أن يكون الأصل باقيا وأن تكون الفائدة تحدث مع بقاء الأصل فيجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى ويجوز أن تكون ثمرة كوقف الشجر ويجوز أن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها. وكذلك [باب التبرعات] .