الصفحة 49 من 85

الشريعة تأتي بخلاف مثل هذا القياس فقد أصاب وهذا من كمال الشريعة واشتمالها على العدل والحكمة التي بعث الله بها رسوله.

ومن لم يخالف مثل هذه الأقيسة الفاسدة بل سوى بين الشيء ين باشتراكهما في أمر من الأمور لزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود فيسوي بين رب العالمين وبين بعض المخلوقين فيكون من الذين هم بربهم يعدلون ويشركون فإن هذا من أعظم القياس الفاسد وهؤلاء يقولون: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الشعراء: 97] . {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 98] .

ولهذا قال طائفة من السلف: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس أي: بمثل هذه المقاييس التي يشتبه فيها الشيء بما يفارقه كأقيسة المشركين. ومن كان له معرفة بكلام الناس في العقليات رأى عامة ضلال من ضل من الفلاسفة والمتكلمين بمثل هذه الأقيسة الفاسدة التي يسوى فيها بين الشيء ين لاشتراكهما في بعض الأمور مع أن بينهما من الفرق ما يوجب أعظم المخالفة واعتبر هذا بكلامهم في وجود الرب ووجود المخلوقات ; فإن فيه من الاضطراب ما قد بسطناه في غير هذا الموضع. وهذا الذي ذكرناه في الإجارة بناء على تسليم قولهم: إن بيع الأعيان المعدومة لا يجوز.

وهذه المقدمة الثانية والكلام عليها من وجهين. أحدهما: أن نقول: لا نسلم صحة هذه المقدمة فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ; بل ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا لفظ عام ولا معنى عام وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة وليست العلة في المنع لا الوجود ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى عن بيع الغرر) .

والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودًا أو معدومًا كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه بل قد يحصل وقد لا يحصل هو غرر لا يجوز بيعه وإن كان موجودا فإن موجب البيع تسليم المبيع والبائع عاجز عنه والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع. وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري.

وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهى عن بيعه لكونه غررا لا لكونه معدومًا كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان فقد يحمل وقد لا يحمل وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه فهذا من القمار وهو من الميسر الذي نهى الله عنه. ومثل هذا إذا أكراه دواب لا يقدر على تسليمها ; أو عقارا لا يمكنه تسليمه بل قد يحصل وقد لا يحصل فإنه إجارة غرر.

الوجه الثاني أن نقول: بل الشارع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع فإنه ثبت عنه من غير وجه: (أنه نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه) . (ونهى عن بيع الحب حتى يشتد) .

وهذا من أصح الحديث وهو في الصحيح عن غير واحد من الصحابة قد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره فأحل أحدهما وحرم الآخر.

ومعلوم أنه قبل ظهور الصلاح لو اشتراه بشرط القطع كما يشتري الحصرم ليقطع حصرما جاز بالاتفاق وإنما نهى عنه إذا بيع على أنه باق ; فيدل ذلك على أنه جوزه بعد ظهور الصلاح أن يبيعه على البقاء إلى كمال الصلاح وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم.

ومن جوز بيعه في الموضعين بشرط القطع ; ونهى عنه بشرط التبقية أو مطلقا: لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ولم يفرق بين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما أذن فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت