بخلاف ما ليس له إلا حال واحدة والغالب فيه السلامة ; فإن هذا ليس مخاطرة فالحاجة داعية إليه. ومن أصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما فهو إنما نهى عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك فلا يمنعهم من الضرر اليسير بوقوعهم في الضرر الكثير بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو مخاطرة فيها ضرر أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد وكذلك لما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم عند الضرورة ; لأن ضرر الموت أشد ونظائره كثيرة. فإن قيل: فهذا كله على خلاف القياس؟ قيل: قد قدمنا أن الفرع اختص بوصف أوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل فرق صحيح على خلاف القياس الفاسد.
وإن أريد بذلك أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعا. ففي الجملة: الشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع لكن هذا هو القياس الصحيح طردا وعكسا وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يوجب الحكم ويمنعه فهذا قياس فاسد. والشرع دائمًا يبطل القياس الفاسد كقياس إبليس وقياس المشركين الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] .
والذين قاسوا الميت على المذكى وقالوا: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فجعلوا العلة في الأصل كونه قتل آدمي وقياس الذين قاسوا المسيح على أصنامهم فقالوا: لما كانت آلهتنا تدخل النار لأنها عبدت من دون الله فكذلك ينبغي أن يدخل المسيح النار قال الله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] . {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] .
وهذا كان وجه مخاصمة ابن الزبعرى لما أنزل الله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] . {لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] .
فإن الخطاب للمشركين لا لأهل الكتاب. والمشركون لم يعبدوا المسيح وإنما كانوا يعبدون الأصنام والمراد بقوله: {وَمَا تَعْبُدُونَ} [الأنبياء: 98] . الأصنام فالآية لم تتناول المسيح لا لفظًا ولا معنى.
وقول من قال: إن الآية عامة تتناول المسيح ولكن أخر بيان تخصيصها غلط منه ولو كان ذلك صحيحا لكانت حجة المشركين متوجهة ; فإن من خاطب بلفظ العام يتناول حقا وباطلا لم يبين مراده توجه الاعتراض عليه وقد قال تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} [الزخرف: 57] . أي: هم ضربوه مثلا كما قال: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا} [الزخرف: 58] . أي: جعلوه مثلًا لآلهتهم فقاسوا الآلهة عليه وأوردوه مورد المعارضة فقالوا: إذا دخلت آلهتنا النار لكونها معبودة فهذا المعنى موجود في المسيح فيجب أن يدخل النار وهو لا يدخل النار فهي لا تدخل النار وهذا قياس فاسد لظنهم أن العلة مجرد كونه معبودًا وليس كذلك بل العلة أنه معبود ليس مستحقا للثواب أو معبود لا ظلم في إدخاله النار.
فالمسيح والعزير والملائكة وغيرهم ممن عبد من دون الله وهو من عباد الله الصالحين وهو مستحق لكرامة الله بوعد الله وعدله وحكمته فلا يعذب بذنب غيره فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى. والمقصود بإلقاء الأصنام في النار إهانة عابديها وأولياء الله لهم الكرامة دون الإهانة فهذا الفارق بين فساد تعليق الحكم بذلك الجامع. والأقيسة الفاسدة من هذا الجنس. فمن قال: إن