فأمر بتسريحهن بعد الطلاق قبل الدخول وهو طلاق بائن لا رجعة فيه وليس التسريح هنا تطليقا باتفاق المسلمين وقال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] .
وفي الآية الأخرى {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] .
فلفظ الفراق والسراح ليس المراد به هنا الطلاق فأما المطلقة الرجعية فهو مخير بين ارتجاعها وبين تخلية سبيلها لا يحتاج إلى طلاق ثان.
وأما المقدمة الثانية فلا يلزم من كون اللفظ صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا في خطاب كل من يتكلم.
وبسط هذا له موضع آخر والمقصود هنا أن قول القائل: إن الإجارة نوع من البيع إن أراد به البيع الخاص - وهو الذي يفهم من لفظ البيع عند الإطلاق - فليس كذلك فإن ذاك إنما ينعقد على أعيان معينة أو مضمونة في الذمة وإن أراد به أنها نوع من المعاوضة العامة التي تتناول العقد على الأعيان والمنافع: فهذا صحيح لكن قوله ; إن المعاوضة العامة لا تكون على معدوم دعوى مجردة بل دعوى كاذبة فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم.
وإن قاس بيع المنافع على بيع الأعيان فقال: كما أن بيع الأعيان لا يكون إلا على موجود فكذلك بيع المنافع - وهذه حقيقة كلامه - فهذا القياس في غاية الفساد فإن من شرط القياس أن يمكن إثبات حكم الأصل في الفرع وهو هنا متعذر ; لأن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها فلا يتصور أن تباع المنافع في حال وجودها كما تباع الأعيان في حال وجودها.
والشارع أمر الإنسان أن يؤخر العقد على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق فنهى عن بيع السنين وبيع حبل الحبلة وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ; وعن بيع الحب حتى يشتد ونهى عن بيع المضامين والملاقيح وعن المجر وهو الحمل ; وهذا كله نهي عن بيع حيوان قبل أن يخلق ; وعن بيع حب وثمر قبل أن يخلق وأمر بتأخير بيعه إلى أن يخلق. وهذا التفصيل وهو: منع بيعه في الحال وإجارته في حال يمتنع مثله في المنافع فإنه لا يمكن أن تباع إلا هكذا فما بقي حكم الأصل مساويا لحكم الفرع إلا أن يقال: فأنا أقيسه على بيع الأعيان المعدومة فيقال له: هنا شيئًان: أحدهما: يمكن بيعه في حال وجوده وحال عدمه فنهى الشارع عن بيعه إلا إذا وجد. والشيء الآخر: لا يمكن بيعه إلا في حال عدمه فالشارع لما نهى عن بيع ذاك حال عدمه فلا بد إذا قست عليه أن تكون العلة الموجبة للحكم في الأصل ثابتة في الفرع فلم قلت: إن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما؟ ولم لا يجوز أن يكون بيعه في حال عدمه مع إمكان تأخير بيعه إلى حال وجوده؟.
وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص وهو معدوم يمكن بيعه بعد وجوده وأنت إن لم تبين أن العلة في الأصل القدر المشترك كان قياسك فاسدا وهذا سؤال المطالبة وهو كاف في وقف قياسك. لكن نبين فساده فنقول: ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة منتقضة ; فإنك إذا عللت المنع بمجرد العدم انتقضت علتك ببعض الأعيان والمنافع وإذا عللته بعدم ما يمكن تأخير بيعه إلى حال وجوده ; أو بعدم هو غرر اطردت العلة وأيضا فالمناسبة تشهد لهذه العلة ; فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان بيعه حال العدم فيه مخاطرة وقمار وبها علل النبي صلى الله عليه وسلم المنع حيث قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟) .