وقالا: أخطأنا قال: (لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما) فدل على قطع الأيدي باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور. والكوفيون يخالفون في هذين وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل رقبة المحاربين بينهم ومعلوم أن قول من جعل المتعاونين على الإثم والعدوان مشتركين في العقوبة أشبه بالكتاب والسنة لفظا ومعنى ممن لم يوجب العقوبة إلا على نفس المباشر. ومن ذلك أهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الرجم في كتاب الله حق على كل من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) . كذلك يحدون في الخمر بما إذا وجد سكرانا أو تقيأ؛ أو وجدت منه الرائحة ولم يكن هناك شبهة وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين كعمر وعثمان وعلي. وأبو حنيفة والشافعي لا يرون الحد إلا بإقرار أو بينة على الفعل وزعموا أن ذلك شبهة وعن أحمد روايتان. ومعلوم أن الأول أشبه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وهو حفظ لحدود الله تعالى التي أمر الله بحفظها والشبهة في هذا كالشبهة في البينة والإقرار الذي يحتمل الكذب والخطأ.
ومن ذلك أن أهل المدينة يرون [العقوبات المالية] مشروعة حيث مضت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم وادعوا أنها منسوخة، ومن أين يأتون على نسخها بحجة؟ وهذا يفعلونه كثيرا إذا رأوا حديثا صحيحا يخالف قولهم. وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية: مثل كسر دنان الخمر؛ وشق ظروفها؛ وتحريق حانوت الخمار. كما صنع موسى بالعجل، وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، وكما أمرهم عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها، وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز، وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدا.
وكذلك مذهبهم في [العقود والديات] من أصح المذاهب فمن ذلك دية الذمي فمن الناس من قال: ديته كدية المسلم؛ كقول أبي حنيفة. ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم؛ لأنه أقل ما قيل؛ كما قاله الشافعي. والقول الثالث: أن ديته نصف دية المسلم وهذا مذهب مالك وهو أصح الأقوال؛ لأن هذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن: أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية كما يقول الشافعي؛ أو تحمل المقدرات كدية الموضحة والأصابع فما فوقها كما يقوله أبو حنيفة؛ أو تحمل ما زاد على الثلث وهو مذهب مالك وهذا الثالث هو المأثور وهو مذهب أحمد، وفي الثلث قولان في مذهب مالك وأحمد.
ويذكر أنه تناظر مدني وكوفي فقال المدني للكوفي: قد بورك لكم في الربع كما تقول: يمسح ربع الرأس، ويعفى عن النجاسة المخففة عن ربع المحل، وكما تقولونه في غير ذلك. فقال له الكوفي: وأنتم بورك لكم في الثلث كما تقولون: إذا نذر صدقة ماله أجزأه الثلث، وكما تقولون: العاقلة تحمل ما فوق الثلث، وعقل المرأة كعقل الرجل إلى الثلث فإذا زادت كانت على النصف وأمثال ذلك.
وهذا صحيح؛ ولكن يقال للكوفي: ليس في الربع أصل لا في كتاب الله ولا سنة رسوله. وإنما قالوا: الإنسان له أربع جوانب ويقال: رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه وهي أربعة فيقام الربع مقام الجميع. وأما الثلث فله أصل في غير موضع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق المسلمين أن المريض له أن يوصي بثلث ماله لا أكثر؛ كما أمر به النبي صلى