وكذلك نكاح الحامل أو المعتدة من الزنا باطل في مذهب. وهو أشبه بالآثار والقياس لئلا يختلط الماء الحلال بالحرام، وقد خالفه أبو حنيفة
فجوز العقد دون الوطء، والشافعي جوزهما، وأحمد وافقه وزاد عليه فلم
يجوز نكاح الزانية حتى تتوب لدلالة القرآن والأحاديث على تحريم نكاح
الزانية. وأما من ادعى أن ذلك منسوخ وأن المراد به الوطء ففساد قوله
ظاهر من وجوه متعددة.
وكذلك مسألة تداخل العدتين من رجلين؛ كالتى تزوجت في عدتها؛ أوالتى وطئت بشبهة، فان مذهب مالك أن العدتين لا يتداخلان بل تعتد لكل واحد منهما، وهذا هو المأثور عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة قال بتداخلهما.
وكذلك مسألة إصابة الزوج الثاني؛ هل تهدم ما دون الثلاث؟ وهو الذي يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ثم تتزوج من يصيبها ثم تعود إلى الأول، فإنها تعود على ما بقي عند مالك، وهو قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإنما مالك قال: لا تعود على ما بقي من ابن عمر وابن عباس وهو قول أبي حنيفة.
وكذلك في الإيلاء مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وغيرهم أنه عند انقضاء أربعة أشهر يوقف إما أن يفي؛ وإما أن يطلق. وهذا هو المأثور عن بضعة عشر من الصحابة، وقد دل عليه القرآن والأصول من غير وجه، وقول الكوفيين أن عزم الطلاق انقضاء العدة فاذا انقضت ولم يف طلقت. وغاية ما يروى ذلك عن ابن مسعود إن صح عنه.
ومسألة الرجعة بالفعل كما إذا طلقها فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة.
والثاني: لا يكون كقول الشافعي.
والثالث: يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد.
وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة من وجوه:
أحدها: أنهم يوجبون القود في القتل بالمثقل كما جاءت بذلك السنة وكما تدل عليه الأصول. بل بالغ مالك حتى أنكر الخطأ شبه العمد، وخالفه غيره في ذلك لهجر الشبه، لكنه في الحقيقة نوع من الخطأ امتاز بمزيد حكم فليس هو قسما من الخطأ المذكور في القرآن.
ومن ذلك مسألة قتل المسلم بالكافر والذمي والحر بالعبد للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقتل به بكل حال ; كقول أبي حنيفة وأصحابه. والثاني: لا يقتل به بحال كقول الشافعي وأحمد في أحد القولين. والثالث: لا يقتل به إلا في المحاربة؛ فإن القتل فيها حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة بل يقتل فيه الحر وإن كان المقتول عبدا؛ والمسلم وإن كان المقتول ذميا. وهذا قول أهل المدينة والقول الآخر لأحمد وهو أعدل الأقوال وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب أيضا. ومذهب مالك في المحاربين وغيرهم إجراء الحكم على الردء والمباشر كما اتفق الناس على مثل ذلك في الجهاد. ومن نازعه في هذا سلم أن المشتركين في القتل يجب عليهم القود فإنه متفق عليه من مذهب الأئمة. كما قال عمر: (لو تمالأ أهل صنعاء لقتلتهم به) فإن كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا ـ كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع ـ فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء. كما قال علي رضي الله عنه في الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطع يده ثم رجعا