الصفحة 36 من 85

ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد أنها حرام أيضًا وإن كان لهم في جزاء الصيد نزاع، ومن خالف في ذلك من الكوفيين لم تبلغه هذه السنن ولكن بعض اتباعهم أخذ يعارض، ذلك بمثل حديث أبي عمير وحديث الوحش وهذه لو كانت تقاوم ذلك في الصحة، لم يجز أن تعارض بها، لكن تلك متواترات، وحديث أبي عمير محمول على أن الصيد صيد خارج المدينة، ثم دخل إليها، وكذلك حديث الوحش، إن صح وإن قدر أنهما متعارضان، فكان مثل تحريم المدينة لأن أحاديث الحرم رواها أبو هريرة، ونحوه ممن صحبته متأخرة.

وأما دخول النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طلحة، فكان من أوائل الهجرة، أو أنه إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل، والآخر ناف مبق لحكم الأصل، كان الناقل أولى لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا مرة واحدة وإذا قدم المبقي تغير الحكم مرتين، فلو قيل أن حديث أبي عمير بعد أحاديث تحريم المدينة لكان قد حرمه ثم أحله وإذا قدر أنه كان قبل ذلك، لم يلزم إلا كونه قد حرمه بعد التحليل، وهذا لا ريب فيه. والله أعلم.

وأما المناكح فلا ريب أن مذهب أهل المدينة ـ في بطلان نكاح المحلل ونكاح الشغار ـ أتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن المحلل والمحلل له) ، وثبت عن أصحابه كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس: أنهم نهوا عن التحليل؛ لم يعرف عن أحد منهم الرخصة في ذلك وهذا موافق لأصول أهل المدينة. فإن من أصولهم أن القصود في العقود معتبرة، كما يجعلون الشرط المتقدم كالشرط المقارن، ويجعلون الشرط العرفي كالشرط اللفظي.

ولأجل هذه الأصول أبطلوا نكاح المحلل، وخلع اليمين الذي يفعل حيلة لفعل المحلوف عليه، وأبطلوا الحيل التي يستحل بها الربا وأمثال ذلك. ومن نازعهم في ذلك من الكوفيين؛ ومن وافقهم ألغى النيات في هذه الأعمال، وجعل القصد الحسن كالقصد السيئ، وسوغ إظهار أعمال لا حقيقة لها ولا قصد بل هي نوع من النفاق والمكر. كما قال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون عليهم.

والبخاري قد أورد في صحيحه كتابا في الرد على أهل الحيل، وما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون على من فعل ذلك كما بسطناه في الكتاب المفرد.

ونكاح الشغار قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه النهي عنه، ولكن من صححه من الكوفيين رأى أنه لا محذور فيه إلا عدم إعلام المهر ـ والنكاح يصح بدون تسمية المهر ـ ولهذا كان المبطلون له لهم مأخذان:

أحدهما: أن مأخذه جعل بضع كل واحدة مهر الأخرى فيلزم التشريك في البضع. كما يقول ذلك الشافعي وكثير من أصحاب أحمد. وهؤلاء منهم طائفة يبطلونه إلا أن يسمي مهرا ; لأنه مع تسميته انتفى التشريك في البضع. ومنهم من لا يبطله إلا بقول: وبضع كل واحدة مهر للأخرى ; لكونه إذا لم يقل ذلك لم يتعين جعل البضع مهرا. ومنهم من يبطله مطلقا كما جاء عنه بذلك حديث مصرح به في السنن وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره.

والمأخذ الثاني: أن بطلانه لاشتراط عدم المهر. وفرق بين السكوت عن تسمية المهر وبين اشتراط المهر ; فإن هذا النكاح من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا فلو سمى المهر بما يعلمان تحريمه كخمر وخنزير بطل النكاح؛ كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو أشبه بظاهر القرآن وأشبه بقياس الأصول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت