من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العمرة والحج، فالذي تدل عليه السنة، أن من لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له، وأن من ساق الهدي فالقران أفضل له، هذا إذا جمع بينهما في سفرة واحدة، وأما إذا سافر للحج سفرة، وللعمرة سفرة، فالإفراد أفضل له، وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
اتفقوا على أن الإفراد أفضل إذا سافر كل منهما سفرة، والقران الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بطواف واحد وبسعي واحد، لم يقرن بطوافين وسعيين، كما يظنه من يظنه من أصحاب أبي حنيفة كما أنه لم يفرد الحج كما يظنه من ظنه من أصحاب الشافعي ومالك ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد من أصحابة إلاعائشة لأجل عمرتها التي حاضت فيها، مع أنه قد صح أنه اعتمر أربع عمر إحداهن في حجة الوداع ولم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من إحرامه كما ظنه بعض أصحاب أحمد ومذهبهم أن المحصر لاقضاء عليه، وهذا أصح من قول الكوفيين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدوا عن العمرة الحديبية، ثم من العام القابل، اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، وطائفة ممن معه لم يعتمروا، وجميع أهل الحديبية، كانوا أكثر من ألف وأربعمائة وهم الذين بايعوا تحت الشجرة، ومنهم من مات قبل عمرة القضية، ومذهبهم أنه لا يستحب لأحد بل يكره أن يحرم قبل الميقات المكاني، والكوفيون يستحبون الإحرام قبله وقول أهل المدينة الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجة الوداع عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وكلاهما أحرم فيهما من ذي الحليفة واعتمر عام حنين من الجعرانة، ثم حجة الوداع وأحرم فيها من ذي الحليفة، ولم يحرم من المدينة قط، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليداوم على ترك الأفضل وخلفاؤه كعمر وعثمان، نهوا عن الإحرام قبل الميقات، وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل الميقات، فقال: [أخاف عليه من الفتنة فقال: قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور 63] .
فقال السائل: وأي فتنة في ذلك وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله تعالى قال وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم]. أو كما قال، وكان يقول [لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد بجدل هذا] .
ومذهب أهل المدينة أن وطئ بعد التعريف قبل التحلل فسد حجه، ومن وطئ بعد التحلل الأول فعليه عمرة، وهذا هو المأثور عن الصحابة، دون قول من قال أن الوطء بعد التعريف لا يفسد، وقول من قال أن الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب إحرامًا ثانيًا، واتبع مالك في ذلك قول ابن عباس، وذكره في موطأه، لكن لم يسم من نقله فيه عن ابن عباس إذ الراوي له عكرمة لما بلغه
فيه عن ابن عمر، وسعد وإن كان الذي أتمه توثيق عكرمة ولهذا روى له البخاري، فإن قيل قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير في اشتراطها التحلل، إذا حبسها حابس، وحديث عائشة في تطييب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إحرامه، وقبل طوافه بالبيت، وحديث ابن عباس في أنه مازال يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وغير ذلك قيل إذا قيس هذا بما خالفه غيره من الكوفيين ونحوه كان ذلك أكثر مع أنه في هذه المسائل اتبع فيها آثارًا عن عمر ابن الخطاب وابن عمر وغيرهما، وإن كان الصواب عند تنازع الصحابة، الرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن من لم تبلغه بعض السنة، فاتبع عمر وابن عمر، ونحوهما كان أرجح مما خفي عنه أكثر مما خفي عن أهل المدينة النبوية ولم يكن له سلف مثل سلف أهل المدينة.
ومن ذلك حرم المدينة النبوية، فإن الأحاديث قد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه باثبات حرمها، بل صح عنه أيضًا أنه جعل جزاء من عضد بها شجرًا، أن سلبه لواجده،