هو المأثور عنه أتباع السنة فيه، فإن من نقل غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كعائشة وميمونة لم ينقل أنه غسل بدنه كله ثلاثًا، بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثاثية على شق رأسه وأنه أفاض الماء، بعد ذلك على سائر بدنه، والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياسًا على الوضوء والسنة، قد فرقت بينهما، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وهو أربعة أمداد ومعلوم أنه لو كان السنة في الغسل التثليث، لم يكفه ذلك، فإن سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء أكثر من أربع مرات.
ومن ذلك التيمم منهم من يقول لا يجب أن يتيمم لكل صلاة، كقول أبي حنيفه ومنهم من يقول بل يتيمم لكل صلاة كقول الشافعي ومذهب مالك يتيمم لوقت كل صلاة وهذا أعدل الأقوال، وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة والمأثورة في المستحاضة، ولهذا كان ذلك هو المشهور فيهما عند فقهاء الحديث.
ومن ذلك أهل المدينة يوجبون الزكاة في مال الخليطين، كمال المالك الواحد ويجعلون في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وهذا موافق لكتاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة الذي أخرجه البخاري من حديث أبي بكر الصديق، وعامة كتب النبي صلى الله عليه وسلم كالتي كانت عند آل عمر ابن الخطاب وآل علي بن أبي طالب وغيرهما، توافق هذا ومن خالفهم من الكوفيين يستأنف الفريضة بعد ذلك، ولا يحصل للخلطة تأثير، ومعهم آثار الاستئناف، لكن لا تقاوم هذا، وإن كان ثابتًا فهو منسوخ كما نسخ ما روي في البقر أنها تزكى بالغنم، ومذهب أهل المدينة، أن لا وقص إلا في الماشية ففي النقدين ما زاد فبحسبه، كما روي ذلك في الآثار وأبو حنيفة يجعل الوقص تابعًا للنصاب ففي النقدين عنده لا زكاة في الوقص كما في الماشية، وأما المعشرات فعنده لا وقص فيها ولا نصاب، بل يجب العشر في كل قليل وكثير في الخضراوات، لكن صاحباه وافقا أهل المدينة، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس فيما دون خمس أوسق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة) وبما ثبت عنه من ترك أخذ الصدقة من الخضراوات مع ما روي عنه ليس في الخضراوات صدقة، ومذهب أهل المدينة أن الركاز الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم، (وفى الركاز الخمس) لا يدخل المعدن، بل المعدن تجب فيه الزكاة، كما أخذت من معادن بلال بن الحارث، كما ذكر ذلك مالك في موطأه، فإن الموطأ لمن تدبره وتدبر تراجمه وما فيه من الاثار وترتيبه، علم قول من خالفها من أهل العراق، فقصد بذلك الترتيب والآثار بيان السنة، والرد على من خالفها، ومن كان بمذهب أهل المدينة والعراق أعلم كان أعلم بمقدار الموطأ، ولهذا كان يقول [كتاب جمعته في كذا وكذا سنة تأخذونه في كذا وكذا يومًا كيف تفقهون ما فيه] . أو كلامًا يشبه هذا.
ومن خالف ذلك من أهل العراق يجعلون الركاز إسمًا يتناول المعادن، ودفن الجاهلية، وكذلك أمور المناسك، فإن أهل المدينة لا يرون للقارن أن يطوف إلا طوافًا واحدًا ولا يسعى إلا سعيًا واحدًا، ومعلوم أن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها توافق هذا القول، ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف أولًا ثم يسعى للعمرة، ثم يطوف ثانيًا، ويسعى للحج فمتمسك بآثار منقولة عن علي وابن مسعود، وهذا إن صح لا يعارض السنة الصحيحة، فإن قيل فأبوحنيفة يرى القران، أفضل ومالك يرى الإفراد أفضل، وعلماء الحديث لا يرتابون أن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قارنًا كما هو مبسوط في غير هذا الموضع، قيل هذه المسائل كثر نزاع الناس فيها واضطرب عليهم ما نقل فيها وما من طائفة إلا وقد قالت فيها قولًا مرجوحًا والتحقيق الثابت بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج بأصحابه، أمرهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي فلما لم يحلل توقفوا فقال (لو استقبلت