الصفحة 39 من 85

الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص لما عاده في حجة الوداع؛ وكما ثبت في الصحيح في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة؛ وكما روي أنه قال لأبي لبابة: (يجزيك الثلث) وكما في غير ذلك فأين هذا من هذا؟ وما في هذا الحديث يقول به أهل المدينة.

والقرعة فيها آية من كتاب الله وستة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها هذا الحديث. ومنها قوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه) ، ومنها: (إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) ، ومنها: أن الأنصار كانوا يستهمون على المهاجرين لما هاجروا إليهم، ومنها في المتداعيين اللذين أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين حبا أم كرها، ومنها: في اللذين اختصما في مواريث درست فقال لهما: (توخيا الحق واستهما وليحلل كل منكما صاحبه) . والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد وغيرهما، ومن خالفهم من الكوفيين لا يقول بها؛ بل نقل عن بعضهم أنه قال: القرعة قمار وجعلوها من الميسر.

والفرق بين القرعة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الميسر الذي حرمه ظاهر بين؛ فإن القرعة إنما تكون مع استواء الحقوق وعدم إمكان تعيين واحد وعلى نوعين: أحدهما: أن لا يكون المستحق معينا كالمشتركين إذا عدم المقسوم فيعين لكل واحد بالقرعة، وكالعبيد الذين جزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، وكالنساء اللاتي يريد السفر بواحدة منهن فهذا لا نزاع بين القائلين بالقرعة أنه يقرع فيه. والثاني: ما يكون المعين مستحقا في الباطن كقصة يونس، والمتداعيين، وكالقرعة فيما إذا أعتق واحدا بعينه ثم أنسيه، وفيما إذا طلق امرأة من نسائه ثم أنسيها أو مات: أو نحو ذلك. فهذه القرعة فيها نزاع وأحمد يجوز ذلك دون الشافعي.

ومذهبهم في الأحكام أنهم يرجحون جانب أقوى المتداعيين ويجعلون اليمين في جانبه فيقضون بالشاهد ويمين الطالب في الحقوق وفي القسامة يبدأون بتحليف المدعين فان حلفوا خمسين يمينا استحقوا الدم، والكوفيون يرون أنه لا يحلف الا المدعى عليه فلا يحلفون المدعى لا في قسامة ولا في غيرها ولا يقضون بشاهد ويمين ولا يرون اليمين على المدعى.

ومعلوم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة توافق مذهب المدنيين، فإن حديث القسامة صحيح ثابت فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: (تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم) . وكان الشافعي ونحوه من أهل العراق إذا ناظروا علماء أهل المدينة ـ كأبي الزناد وغيره ـ في القسامة واحتج عليهما أهل المدينة بالسنة التي لا مندوحة لأحد عن قبولها ويقولون لهم أن السنة ووجوه الحق لتأتى على خلاف الرأي، فلا يجد المسلمون بدا من قبولها في كلام طويل مروي بإسناد.

وكذلك مسألة الحكم بشاهد ويمين فيها أحاديث في الصحيح والسنن كحديث ابن عباس الذي رواه مسلم، وكحديث أبي هريرة وغيره مما رواه أبو داود لما قال بعض العلماء نرى أن من حكم بشاهد ويمين نقض حكمه. انتصر لهذه السنة العلماء كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم. فمالك بحث فيها في موطأه بحثا لا يعد له نظير في الموطأ، والشافعي في الأم بحث فيها نحو عشر أوراق، وكذلك أبو عبيد في كتاب القضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت