السفينة بالمسكنة لا تتواءم مع سياق الآية؛ فإن الله ذكر أن السفينة كانت لهم، ومن أجل ذلك عابها العبد الصالح حتى لايأخذها الملك الظالم، فلو كانت السفينة مستأجرة أو يعملون عليها، لما كان تعليل الخضر إفساده هيئة السفينة في الظاهر مقبولا، لأنه بهذا إنما حمى السفينة لأصحابها لا لمستأجريها، أو من يعمل فيها، وهذا ظاهر لمن تأمله، ومنه تعلم أن سياق الآية يدل على أن السفينة كانت لهؤلاء المساكين، فوصفهم بالمسكنة مع أن لهم سفينة.
وكذا احتمال أنه إنما وصفهم بالمسكنة بعد ذهاب سفينتهم، فإنه يتنافر مع الآية، إذ ليس في الآية أن سفينتهم ذهبت، بل دل الحديث على أن العبد الصالح لما فعل ذلك سلموا من الملك الظالم، ثم الآية صريحة الدلالة في أن العبد الصالح إنما أراد حماية سفينتهم لما هم عليه من المسكنة، فكيف يقال: إنما وصفوا بالمسكنة بعد ذهاب سفينتهم؟!
والاحتمال الأخير ينسجم مع دلالة السياق، وهو لا يمنع وصفهم بالمسكنة مع ملكهم للسفينة، وهو المراد! والله الموفق.
نعم ليس في الآية دليل على تخصيص المسكين بأنه أفضل حالا في الحاجة والعوز من الفقير، غاية ما في الآية صحة وصف من لديه شيء و لايكفيه بالمسكنة، كحال أصحاب السفينة هؤلاء؛ وذلك لما قدّمته لك من أن لفظ المسكين عند الاطلاق يأتي بمعنى الفقير والعكس صحيح. والله اعلم.
وهذا القول تجتمع به الأدلة التي استدل أصحاب الأقوال المختلفة في هذه المسألة، وبه يزول الاشكال بينها، وبالله التوفيق.