الصفحة 8 من 19

يكرهه أحد من أئمة الحنفية، وأجازه ابن الهمام والعيني وابن نجيم وصاحب النهر والشرنبلالي وأبو السعود، وارتضاه ابن عابدين رحمهم الله تعالى. وهو الذي يظهر من قول قاضي خان رحمه الله حيث إنه لم يذكر التورق في جملة الحيل التي يلجأ إليها الناس فرارًا من الربا، وقصر قول الكراهة المنسوب إلى الإمام محمد رحمه الله على الصور التي ترجع فيها السلعة إلى البائع.

وعلى ضوء ما سردنا من نصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة، يتلخص أن المختار في جميع هذه المذاهب جواز التورق، غير أنه يوجد عند الحنابلة والحنفية قول بالكراهة. فالكراهة رواية عن الإمام أحمد، واختارها الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله تعالى، وكذلك ذكر الكراهة بعض المتأخرين من الحنفية مثل الحصكفي صاحب الدار المختار، وحمل عليه قول الإمام محمد رحمه الله تعالى. أما المالكية فلم أجد عندهم ذكر التورق صراحة، ولكنهم اشترطوا لكراهة العينة أن تباع السلعة إلى البائع الأول، فخرج منها التورق. وكذلك لا يوجد ذكر صريح للتورق في كتب الشافعية، ولكنهم أكثر الناس توسعًا في إجازة العينة، وإن كان المتأخرون منهم مثل الرملي و الخطيب الشربيني رحمهما الله تعالى، جزموا بكراهة العينة، ولكنهم لم يذكروا التورق في عداد صور العينة والبيوع المكروهة.

والظاهر أن ما ذكره العلامة ابن الهمام رحمه الله تعالى من اقتصار الكراهة على الصور التي ترجع فيها السلعة إلى البائع الأول هو الصواب، لأن الاحتيال في تلك الصور واضح، فإن السلعة كلما رجعت إلى البائع الأول بتدبير من المتعاقدين، وكان دافع الثمن الأقل وآخذ الثمن الأكثر عند الأجل واحدًا، تبين أن بيع السلعة غير حقيقي وإنما احتال البائع بوساطة هذا البيع الصوري المحض أن يحصل على نقد أكثر نسيئة بنقد أقل معجل، وهذا هو معنى الربا.

أما التورق فدور البائع الأول لا يتجاوز من أنه يبيع سلعته إلى أجل بثمن أكثر من ثمن السوق، وهو عقد مشروع عند جمهور الفقهاء ثم لا علاقة له بما يفعل المشتري بالسلعة بعد الشراء، لأنه لا يبيعها إليه مرة أخرى، وإنما يبيعها في السوق. وإن الذي يشتريها من المشتري الأول هو الذي يدفع إليه الثمن الأقل، والذي يدفع إليه المشتري الأول الثمن الآجل هو البائع الأول، فكان دافع الثمن الأقل غير آخذ الثمن الأكثر الآجل، والربا إنما يتحقق إذا كان دافع الأقل وآخذ الأكثر واحدًا، فإذا اختلف الدافع والآخذ اختلافًا حقيقيا اندفعت شبهة الربا.

والذين كرهوا التورق إنما كرهوه من حيث إن النتيجة الأخيرة للعملية أن المشتري الأول يبقى بنقد أقل في حين أن في ذمته دينًا أكثر منه. ولكن هذه النتيجة لو حصلت بعقود كلها مشروعة والذي أخذ منه الأقل غير من التزم له الأكثر فلا مانع من هذه العملية، وإنه يشابه ما أجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [1] .

(1) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت