الصفحة 5 من 19

المعروف في كتب الأصحاب، وأفتى الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني والشيخ أبو محمد بأنه إذا صار عادة له البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعًا" [1] ."

ولكن ذكر بعض المتأخرين من الشافعية الكراهة مع صحة العقد، فقال القاضي زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى:"ويكره بيع العينة ... لما فيها من الاستظهار على ذي الحاجة، وهو أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له ثم يشتريها منه بنقد يسير فيصح ذلك، ولو صار عادة له غالبة" [2] .

وكذلك ذكر الشربيني الخطيب والرملى رحمهما الله تعالى في شرحيهما على المنهاج أن العينة من جملة البيوع المكروهة. [3]

أما التورق فلم يذكروه، لا استقلالا ولا كصورة من صور العينة، ولكن الظاهر أنهم حيث أجازوا للبائع الأول أن يشتري السلعة بنقد أقل، فالبيع إلى أجنبي أولى بالجواز، بل إن الإمام الشافعي رحمه الله ذكر جواز هذه الصورة كمسألة متفق عليها بينه وبين مانعي العينة، وألزمهم بها، فقال وهو يناقشهم:"قيل: أفحرام عليه أن يبيع ماله بنقد، وإن كان اشتراه إلى أجل؟ فإن قال: لا، إذا باعه من غيره قيل: فمن حرمه منه؟" [4] .

ولذلك قال الفيومي، رحمه الله، في العينة:"وذلك حرام إذا اشترط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم، فإن لم يكن بينهما شرط، فأجازها الشافعي لوقوع العقد سالمًا من المفسدات، ومنعها بعض المتقدمين وكان يقول: هي أخت للربا. فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس فهي عينة أيضًا لكنها جائزة باتفاق" [5] .

أما المالكية فما سماه الشافعية والحنابلة عينة يدرجونه تحت بيوع الآجال التي ظاهرها الجواز لكنها تؤدي إلى الممنوع [6] . ومذهبهم في منعه أشد المذاهب، فإنهم يوجبون فسخ مثل هذا البيع ما دامت السلعة قائمة [7] ، ولكنهم لم يدرجوا صورة التورق في عداد هذه البيوع الممنوعة، وإنما يظهر من كلامهم أن التورق جائز عندهم، يقول ابن رشد رحمه الله:"وسئل مالك عن رجل ممن يعين يبيع السلعة من الرجل بثمن إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجل حاضر كان قاعدا معهما فباعها منه، ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد، وذلك في موضع واحد، قال: لا خير في هذا، ورآه كأنه محلل فيما بينهما" [8] .

وبهذا يظهر أن مالكا رحمه الله تعالى إنما منع هذه الصورة لكون الرجل الثالث اتخذ محلّلا للبائع الأول، ولولا أنه باع السلعة إلى البائع الأول، لجاز العقد عنده. وقال في موضوع آخر:"قال عيسى: وسمعت ابن القاسم وسئل عن رجل اشترى من رجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم إن البائع أمر رجلا أن يشتري له سلعة بنقد ودفع إليه دنانيره فاشتراها"

(1) روضة الطالبين للنووي: 3/ 416، 417.

(2) أسنى المطالب للأنصاري: 4،104.

(3) مغنى المحتاج: 2/ 39، دار إحياء التراث بيروت؛ ونهاية المحتاج: 3/ 460، نفس المطبعة.

(4) الأم للشافعي: 6/ 250، دار قتيبة.

(5) المصباح المنير للفيومي 2/ 441.

(6) والعينة في اصطلاحهم تعامل آخر يشابه المرابحة للآمر بالشراء التي تتعامل به المصارف الإسلامية اليوم.

(7) قال ابن رشد:"فإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأقل من ذلك الثمن نقدًا فسخت البيعتان جميعًا عند ابن الماحبشون، وهو الصحيح في النظر" (المقدمات الممهدات لابن رشد: 2/ 53، دار الغرب الإسلامي) .

(8) البيان والتحصيل لابن رشد: 7/ 89، دار الغرب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت