بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن هذه عجالة أردت فيها أن أجمع أحكام التورق وصوره العملية التي تطبق أو يقترح تطبيقها في المؤسسات المالية الإسلامية واسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني للسداد والصواب ويعصمني من الزلل والخطل، وأنه جل ذكره هو الموفق والمعين.
معنى التورق في اللغة والاصطلاح
التورق مأخوذ من الوَرِق، بفتح الواو وكسر الراء، وهي الدراهم المضروبة وكذلك الرِقَة (بكسر الراء وتخفيف القاف) وقال أبو عبيدة: الورق الفضة، كانت مضروبة كدراهم أولًا [1] .
ولا يوجد في اللغة كلمة التوّرق، والأفعال المشتقة من الورِق التي ذكرها أهل اللغة تنحصر في الإيراق والإستيراق فيقال: أورق الرجل إذا كثر ماله، ويقال: المستورق للذي يطلب الورق، ولعل الفقهاء وضعوا اصطلاح التورِق لمن يتكلف الحصول على الورق.
والتورق في اصطلاح الفقهاء: أن يشتري المرء سلعة نسيئة، ثم يبيعها نقدًا لغير البائع بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد" [2] ."
ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إلا عند فقهاء الحنابلة، يقول الإمام شمس الدين ابن مفلح رحمه الله تعالى:"ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فلا بأس، نص عليه وهي التورق" [3] .
وقد ذكر العلامة ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، قولًا عن عبد العزيز رحمه الله تعالى:"التورق آخيه الربا" [4] .
فإن ثبت هذا القول من عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بهذا اللفظ (فإني لم أجده في كتب الأحاديث المسندة) فإنه يدل على أن الكلمة مستعملة في هذا المعنى منذ القرن الأول، ومن الغريب أن أهل اللغة، حتى الذين ألفوا في مصطلحات الفقهاء مثل الفيومي والمطرزي وغيرهما لم يذكروا هذه الكلمة وإنما ذكر الفيومي رحمه الله تعالى صورة التورق وسماها عينة [5] وعلى هذا جرى جمهور الفقهاء غير الحنابلة فذكروه كصورة من صور العينة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والفرق بين العينة والتورق - على اصطلاح الحنابلة- أن العينة: أن يبيع سلعة نسيئة، ثم يشتريها البائع نفسه بثمن حال أقل منه. أما التورق فالمشتري فيه ليس البائع نفسه، وإنما يبيع فيه المشتري الأول السلعة إلى طرف ثالث لا علاقة له بالبائع الأول. فالعينة ترجع فيها السلعة إلى البائع الأول، والتورق ليس فيه رجوع السلعة إلى البائع الأول،
(1) لسان العرب لابن منظور: 10/ 375، طبع قم، إيران 1405 هـ
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية: 14/ 147.
(3) الفروع لابن مفلح: 4/ 171.
(4) تهذيب السنن لأبي داود: 5/ 108، والآخية: العروة في طرف الحبل تربط به الدابة، يعني أن التورق يجر إلى الربا.
(5) المصباح المنير للفيومي: 2/ 441.