تكون بحسب اللغة، أو مستفادة من جهة الشرع، والأول باطل لما تقدم؛ ولأن البدوي العارف باللغة غير العارف بالأحكام الشرعية إذا سمع لفظ النهي لم يفهم منه سوى المنع من الفعل، ولا يخطر بباله الفساد قط، ولو كان موضوعا له لغة لم يكن كذلك، والثاني أيضا باطل لما تقدم أن الأصل عدم النقل، وأيضا لو كان موضوعا للفساد لغةً، أو شرعًا للزم من ذلك التناقض إذا صرح بالصحة مع صريح النهي، وقد ورد التصريح بذلك كما في حديث أَبَي هُرَيْرَةَ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» [1] وقال في حديث آخر «مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» [2] ، وكما لو قال: لا تصل في العمامة المغصوبة، ولا تذبح بسكين مغصوبة، فإن فعلت صحت صلاتك وحلت ذبيحتك، ونحو ذلك من الصور التي لا استبعاد في صحتها، وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بأنه يدل على الفساد، فإنه في الصور التي قيل فيها بفساد المنهي عنه يكون ذلك لأمر زائد على ما دل عليه اللفظ، ولم يتعرض له اللفظ بنفي، ولا إثبات، ولا شك في أن هذا أولى. [3]
••المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بالتسليم في أن النهي لا يدل على الفساد بحسب وضع اللغة، لكن ما المانع أن يدل عليه دلالة لفظية بحسب وضع الشرع.
وأما قولهم:"يلزم منه النقل، والأصل خلافه". فيناقش: بأن الأدلة من
(1) أخرجه مسلم في البيوع، باب: تحريم تلقي الجلب، (3/ 1157) حديث رقم: (1519) .
(2) أخرجه مسلم في البيوع، باب: حكم المصراة، (3/ 1158) حديث رقم: (1524) .
(3) انظر: تحقيق المراد: (ص/354) والمستصفى: (ص/221) .