الصحابة، ومن التابعين عمرو بن شرحبيل وشريح وعبيدة والنخعي والشعبي والسعيدان وأبو مجلز وابن سيرين ويحيى بن يعمر، ومن تابعي التابعين كسفيان الثوري ويحيى بن حمزة والأوزاعي، وبعد هؤلاء كأبي عبيد وأحمد بن حنبل وجمهور فقهاء الحديث، وهو قول جميع أهل الظاهر (2) ·
قال ابن حزم الظاهري:"ولا يجوز أن يُقبل كافر أصلًا، لا على كافر ولا على مسلم، حاش الوصية في السفر فقط، فإنه يُقبل في ذلك مسلمان أو كافران من أي دين كانا، أو كافر وكافرتان أو أربع كوافر، ويحلف الكفار ههنا مع شهادتهم ولا بد بعد الصلاة، أي صلاة كانت، ولو أنها العصر لكان أحب إلينا"·
وبرهان ذلك قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (3) والكافر فاسق فوجب أن لا تقبل، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض، فوجب أخذ حكم الله تعالى كله، وأن يستثنى الأخص من الأعم، ليتوصل بذلك إلى طاعة الجميع، ومن تعدى هذا الطريق فقد خالف بعض أوامر الله تعالى، وهذا لا يحل (4) ·
وذهب جمهور الفقهاء إلى رد شهادة الكافر على المسلم مطلقًا فلا تقبل في حضر ولا سفر، ولا في وصية ولا في غيرها، وأوّلوا الشهادة في الآية باليمين، وقالوا لقد سمى الله تعالى اليمين شهادة في آية اللعان وفي غيرها، وأيّدوا ذلك بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول أشهد بالله، وأن الشاهد لا يمين عليه أنه شهد بالحق (1) ·
بهذا قال مجاهد ومنهم من فسر قوله تعالى: ذوا عدل منكم أي من عشيرتكم وقبيلتكم، لأن قبيلة الميت وعشيرته أعلم بحاله، والكلام منهم ومعهم والحجة لهم، فيكون معنى قوله تعالى: أو آخران من غيركم أي من غير عشيرتكم، وهذا مروي عن الحسن وعكرمة والزهري والسري (2) ·
ومنهم من فسرها بما فسر به أصحاب القول الأول، لكنهم قالوا: إنها غير محكمة، وهي منسوخة بقوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم (3) ·
أو أنها منسوخة بآيات الفرائض والمواريث، أو أنها منسوخة بآية المداينة وفيها واستشهدوا شهيدين من رجالكم وبهذا قال الحنفية (4) ، والمالكية (5) ، والشافعية (6) ·
وقد تولى ابن حزم (7) وابن القيم الرد عليهم، فقال ابن القيم:"أما دعوى النسخ فباطلة، فقد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة، لكان كل من احتج عليه بنص، يقول هو منسوخ"·
وأما قول من قال: المراد بقوله من غيركم أي من غير قبيلتكم فلا يخفى بطلانه وفساده فإنه ليس
(2) الطرق الحكمية لابن القيم ص 681 ·
(3) سورة الحجرات الآية 6 ·
(4) المحلى لابن حزم ج 9 ص 504 - 604 ·
(1) فتح الباري ج 5 ص 314 ·
(2) تفسير زاد المسير لابن الجوزي ج 2 ص 644 ·
(3) سورة الطلاق من الآية 2·
(4) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 294 ·
(5) الشرح الكبير ج 4 ص 561 ·
(6) نهاية المحتاج ج 8 ص 292 ·
(7) المحلى لابن حزم ج 9 ص 904 - 114 ·