أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلًا للعلم الشرعي ازداد قربًا من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيدًا عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية