الكافرين, ولا أرى أحدًا أولى بهذا الوصف منك, فلا أعلم عزةً على الكافرين فوق قتالهم, ولا أجد ذلةً على المؤمنين أعظم من أن تبذل في سبيل الدفاع عنهم نفسك ومالك, وتضحي بكل رغبات الدنيا من أجل سلامتهم وإن لقيت منهم الأذى.
أرى العالم بأسره يعاديك ويتكلم عليك حتى إخوانك في الدين الذين ما قمت إلا من أجل الدفاع عنهم ورضيت لنفسك أن تكون ظهرًا لهم, منهم من يلمزك ويطعن فيك, ومنهم من ينتقصك على المنابر, والبعض يهجرك فلا يرد عليك السلام, وتصل الحال ببعضهم أن يفرحوا لمصابك, وحالك معهم كحال القائل:"أريد حياته ويريد قتلي", ومع هذا فأنت ماضٍ في طريقك تتجرع المرارات وكأنها العسل المصفى, ولذا فأنت أولى هذه الأمة بوصف أولياء الله (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) وبوصف الطائفة المنصورة:"لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله".
اسمح لي يا أخي أن أقدم لك بعض النصائح, فقد ينصح الأدنى من هو فوقه, فليس فينا من هو فوق النصيحة ولا من هو أقل من أن يَنصح.
أوصيك يا أخي بالإكثار من تفقد نيتك فإنها متقلبةٌ تقلب القدر على النار, وإنما لك من عملك ما نويت, وإنّ الذئاب الجائعة تفتك في دين المرء حتى تفسده, قال صلى الله عليه وسلم:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"رواه الترمذي.
وهذا هو السر في كون بعض الناس يبتدئ جهاده في سبيل الله -فيما نحسب- ثم لا يلبث إلا وهو يجاهد في سبيل نفسه فيما نرى, فتراه متطلعًا لمغنمٍ أو إمارة, تتطلع النفس في البداية ثم تتعلق ثم لا تجاهد إلا في سبيل ذلك, فإن تيسر له ما يريد من حظوظ النفس أقدم وإن لم يجد مغنمًا أو كان مرؤوسًا اجتهد في التشغيب والطعن في الجهاد وأهله بشتى المطاعن, وقد يلبسها ثوب التقوى والورع ويبرر عمله بمبرراتٍ شرعية, وإنما هو كالأعرابي الذي جعل الحمى عذرًا في ترك الهجرة والجهاد, وحقيقة حاله كبني إسرائيل (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) .
قبل الخروج في غزوك اجتهد في فعل الأسباب الممكنة من الاهتمام في الرصد والاجتهاد في التخفي وأخذ أسباب السلامة, وتفقد الرجال والسلاح قبل الوقعة بوقتٍ كاف, فعلى قدر التعب يكون النجاح, وإنّ قدوتك صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في ذلك وهو المؤيد من الله, كان إذا