فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 254

بالغًا ما بلغ من العلم أو العبادة, ولكنهم يخافون منك لدرجةٍ تجعلهم يصابون بالأرق ولربما بكوا على الملأ بسبب ما تصنعه فيهم, فليهنك اختصاصك بقول الله سبحانه: (وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .

أحسبك والله حسيبك ما فعلت ذلك إلا لعظمة دين الله في قلبك كما قال ابن عقيل:"إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك, وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة".

أذكر فتنة القبر وشدة عذابه وعظيم خوف المؤمنين منها لدرجة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ منها في كل صلاة, ويفزع الناس لأن القبر إما روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النار, أما أنت فقد سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"رواه النسائي وصححه الألباني.

أتصور منظرك أشعث أغبر, وكيف أنّ الغبار قد أفسد شعرك الذي تعمّدت إطالته إغاظةً لأعداء الله, وكم مرةً دخل الغبار في عينيك وملأ أذنيك بل وأفسد عليك طعامك الذي تسد به الجوع, ولكن كل هذا من عاجل بشراك, فعند الترمذي وصححه الألباني أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم".

ولطالما عجبتُ لحالك عندما يحصل لك استنفار وتمتد بك الليالي وأنت على ذلك, قد يشتد بك الحر حتى تؤثّر الشمس على بشرتك, وقد تجلس أيامًا لا تجد من الماء ما يزيد على شرابك, وتصبر على شديد الحرارة والعرق والجوع والظمأ, أعجب لك وأقارن بين حالك وحال المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيءٍ مما يصلح له الرجال وهو يقول لا تنفروا في الحر, وما علم المسكين أنّ نار جهنم أشد حرًّا لو كان يفقه.

قد عاداك العالم بأسره, لكن لا تضجر فأنت أسعد الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فإنّ أول تنبيهٍ نُبِّه عليه في أول ليلةٍ نزل فيها عليه الوحي أن قيل له:"لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي".

كم كانت غبطتي لك عظيمةً لا تقف عند حد عندما أرى اليوم والليلة منك خيرًا من شهرٍ من أشهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت