والشرطة، التي أصبح عرفات من دونها لا يملك القوة اللازمة لفرض ارادته. واستمر الإرهاب، بالطريقة التي عرف شارون أنه سيستمر فيها،
لأنه ببساطة لم يكن من صنع عرفات؛ لقد كان في الواقع موجهة ضده فهو كان بطلا يوما، حين كان يتحمل حصارات شارون، وخائنا في اليوم التالي، حين كان يحاول عبثا فرض دوره کمنعامل. لكن حتى حين أن أعلن أن عدوه التاريخي أصبح اغير ذي شأنه، ظل شارون يقدمه بوصفه العقل المدبر للإرهاب، كانت عبثية منطقية لم تنجح إلا في خيانة هدفه الحقيقي. وهذا ما حصل مع المهام الأخرى، البعيدة عن الحرب على الإرهاب، التي نفذها جنوده. فقد عبثوا بمحتويات الوزارات الفلسطينية - الصحة أو التربية أو الزراعة. وأتلفوا أجهزة الكومبيوتر والملفات والسجلات الرسمية للمجتمع الفلسطيني، وحطموا الأثاث وأدوات الزينة ونهبوا الشركات والمصارف، وسطوا على المباني الحكومية والمساكن الخاصة؛ ومثلما فعلوا على نطاق أكبر خلال اجتياح شارون للبنان قبل عشرين سنة، تغوطوا وبالوا بشكل منهجي في أي مكان توفر لهم باستثناء الحمامات، على الأرض أو السجاد أو رسوم الأولاد، وفي القناني أو الجوارير أو أصص الزهور، وحتى في آلة ناسخة في أحد المكاتب (3) . وقسموا الضفة الغربية إلى مناطق معزولة مفصولة ومقطعة الأوصال لا تعد ولا تحصى، جاعلين كل حركات السير والاتصالات فيما بينها منعثرة التنفيذ أو خطرة أو متعبة جدا. وباتت الرحلات، إلى العمل أو البيت، التي
كانت تستغرق في العادة خمس دقائق تستغرق خمس ساعات. وجلبوا الخراب إلى الاقتصاد الفلسطيني؛ لقد وصل معدل البطالة إلى ستين في المائة؛ ووقع سبعون في المائة من الناس تحت خط الفقر؛ كما عاني حوالي ثلث الأولاد من سوء التغذية. وتعطلت بشكل حاد الدراسة في المجتمع الأكثر تعلمة في الشرق الأوسط. لقد جعلوا الحياة باختصار مستحيلة عموما بحيث إن أي شخص عادي كان ليرحل إلا في حال كان له سبب نوي للبقاء أو لم يكن له مكان آخر يذهب إليه.
نكبة أخرى قيد التحضير؟ كان الرحيل تحديدا ما قد تمناه عدد كبير جدا من الإسرائيليين