الصفحة 456 من 642

السابق لفلسطين، إذ إن الصليبيين هم الذين واجهوا الفدائيين الأول، رجال الطائفة الإسماعيلية الثورية، الذين كانوا ينزلون من معاقلهم الجبلية في شمال سورية لبث الذعر بين قادة الفرنجة، أو منافسيهم من أمراء المسلمين، وهؤلاء هم المغتالونه، أو الحشاشون، الأول الذين يعتقد العامة أنهم كانوا ينفذون مهماتهم الانتحارية بعد تعاطي المخدرات. أما في الكفاح ضد غزاة القرن العشرين فيعتبر القسام المثل البارز في سجل من البطولة التي يغلب عليها التهور، والتي تتصف أحيانا بالسمو ووضوح المقصد، وتتصف أحيانا أخرى بالطيش والبساطة، بيد أنها على وجه العموم لا تحقق غرضة، وهي البطولة التي لا يزال الفلسطينيون يمارسونها إلى يومنا هذا. وبعد أربعين سنة ذاق الفلسطينيون فيها الهزيمة والتشرد بشكل لم يكن حتى القسام نفسه ينصوره ممكنة، تبدو تضحيته تحمل کل اسي شعب لم يتخل في أي يوم من الأيام عن كفاحه، ولكنه ظل حتى اليوم، نظرة الجوانب الضعف فيه ولتفوق عدوه عليه، مقدرة له الفشل، ويبدو أنه يعرف في قرارة نفسه قدره هذا

دول العربية القومي اليهودي. ورجيا على الأقدام. وكان

شهد جمهور غفير تشييع جثمان القسام في حيفا، ودفن في قرية ياجور، على بعد عشرة كيلومترات من المدينة، حيث حمل المشيعون نعشه إليها سيرا على الأقدام. وكانوا يهتفون هتافات معادية لبريطانيا والوطن القومي اليهودي. ورجموا الشرطة بالحجارة، كما حمل الموكب أعلام الدول العربية المختلفة إعرابة عن التحدي. وكتبت صحيفة الأهرام» في القاهرة تقول: (صديقنا وشهيدنا العزيز، لقد سمعناك تعظنا من فوق المنبر، تدعونا إلى حمل السلاح، أما اليوم فأنت تحدثنا من رحاب الله تعالى، وحديثك بعد وفاتك أبلغ من حديثك في حياتك

كان تشييع جثمان الشيخ عز الدين القسام مناسبة وطنية. إلا أن قادة البلاد الرسميين تغيبوا عنها، وكان تغيبهم يمثل طبيعة موقفهم، فقد كانوا متخوفين من المشاعر التي أطلقها القسام من عقالها. وقد أحس هؤلاء القادة أن استشهاده كان توبيخة لهم وخطرة يهددهم. وكان هؤلاء القادة على صواب في إحساسهم هذا، إذ على الرغم من توفر ظروف كثيرة، جاءت في الأغلب بالمصادفة، بدين لها الصهيونيون بنجاحهم المذهل، فإن عاملا أساسية منها يتمثل في قلة كفاءة القادة العرب، وافتقارهم إلى الإحساس بالمسؤولية، وتهاون الطبقة العليا وأنانيتها. فالمثالب التي نددت بها صحيفة الكرمل الحيفاوية للمرة الأولى، قبل ربع قرن من الزمن، أصبحت موجودة على نطاق أكبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت