عظيمين مجموعة من الأشخاص بلغ عددهم الكلي حوالي ثمانمائة شخص، تلقى مائتان منهم تدريبة عسكرية. وتعاهدوا على بذل النفس من أجل فلسطين، وكان مطلوبة من هؤلاء أن يأتي كل منهم بسلاحه وأن يسهم بكل ما يستطيع في سبيل القضية. أما تدريبهم فكان يتم تحت جناح الليل.
بعد اجتماع حيفا اتجه الشيخ عز الدين القسام مع مجموعة من أخلص رجاله، كانوا كلهم تقريبا من الفلاحين، نحو جبال جنين المشجرة. وقد باع هؤلاء حلى نسائهم وقسما من أثاث منازلهم كي يشتروا البنادق والذخيرة. وكان هؤلاء الرجال يمضون النهار في الكهوف قرب قرية ابعيدا. يصلون ويقرأون القرآن. وكانوا يهاجمون اليهود والبريطانيين في الليل. كانت هذه نينهم على الأقل، إذ لم يسنح لهم الوقت للتنفيذ. فالسلطات التي يحتمل أن تكون قد علمت بأمرهم من أحد المخبرين، لم تضع وقتا بل أرسلت قوة مختلطة من الجنود البريطانيين والعرب، تساعدهم طائرات الاستكشاف کي يطاردوا القسام ورجاله. وعندما بوغت القسام ووجد نفسه في مواجهة قوة كبيرة، اضطر إلى دخول المعركة على غير استعداد لها. وعندما طلب منه الاستسلام رد صائح: «أبدا، فنحن نجاهد في سبيل الله ومن أجل الوطن» . وحث رجاله على طلب الشهادة، وعندما رأى الجنود العرب، أمر رجاله بضرب البريطانيين فقط، وألا يطلقوا النار على مواطنيهم إلا دفاعا عن النفس. وقد دارت معركة استمرت بضع ساعات يل فيها القسام وثلاثة أو أربعة من رجاله، وأسر الباقون.
كانت هذه الثورة ثورة قصيرة، كما كانت، من وجهة النظر العسكرية، ثورة عقيمة. إلا أنها حركت الجماهير الفلسطينية. فقد بينت طريق الكفاح المسلح أمامها، وهذا هو كل ما كان القسام يأمل به. غير أن اليهود لم يتبينوا مغزى هذه الثورة. فقد رأوا في الشيخ القسام فردة غريبة من نتاج التعصب الديني غير الطبيعي، أو ناسكة مجنونة. وعجز اليهود عن أن يروا أنه بعد خمسة عشر عاما من مقتل بطلهم الذي اعتبروه مثالا لهم، وجد الفلسطينيون الأسطورة التي يحتاجون لها وأصبح لهم بطلهم مثلما لليهود بطلهم جوزيف ترمبلدور. لقد قتل أشخاص عديدون وسلاحهم في أيديهم قبل القسام، كما قتل الألوف من بعده وأيديهم تقبض على سلاحهم. غير أن القسام كان الفدائي المثالي للكفاح الفلسطيني، نظرا لصلاحه وتقواه، ولإحساسه الكامل بواجبه الذي بلغ ذروته بطلبه وسعيه للشهادة. وقد وضع القسام نفسه في موكب بدأ أثناء الاحتلال الغربي