الصفحة 458 من 642

فتسعة أعشار الأراضي التي تملكها اليهود حتى العام 1929 باعها لهم الإقطاعيون الغائبون. أما بعد ذلك، وعلى الرغم من ازدياد الخطر الصهيوني، ازديادة مستمرة، فقد أصبح أصحاب الأراضي الحاضرون هم المذنبين الرئيسيين. وفي هذه الفترة أيضا عمل المرابون العرب عملهم المقيت، إذ كان صغار الملاك يضطرون إلى الاقتراض بفائدة تصل إلى خمسين في المائة، وكان هؤلاء يتمسكون بأرضهم الصغيرة ما وسعهم إلى ذلك سبيل، إلا أن عبء الدين القاتل كان يضطرهم في النهاية للتخلي عنها لليهود الذين لا پرتوي لهم ظمأ لتملك الأراضي). وطبيعي أن هذه الصفقات كانت تحقق أرباحا يسيل لها اللعاب، فسعر الدونم قرب مستعمرة ريشون - لي - نسيون لم يكن يتجاوز من قبل ثمانية شلنات إلا أنه وصل في أوائل الثلاثينيات إلى مبلغ براوح بين عشرة جنيهات وخمسة وعشرين جنيها). وقد أصبح هؤلاء الذين يبددون التراث العربي، من الوجهة الرسمية، منبوذي المجتمع، وكان يندد بهم في كل مناسبة، سواء في المؤتمرات التي تعد البحث والخطر الصهيوني، أو في البيانات التي تصدرها الأحزاب السياسية المتنافسة، وفي بيانات التكفير التي تصدرها الهيئات الدينية. ففي العام 1932 أصدر حزب الاستقلال، بيانا أعلن فيه أنه ولا مستقبل للأمة إلا إذا تم إقفال أبواب الهجرة ومنع بيع الأراضي، ويؤكد المندوبون استياءهم من السماسرة وبائعي الأراضي، ويعتبرون أنه قد آن الأوان لمعاقبتهم والضرب على أيديهم ... ). ولقد أصبحت كلمة اسمساره منذ ذلك الوقت ذات مدلول سيئ في القاموس الفلسطيني. وفي العام 1930، عندما تجاوزت الهجرة وبيع الأراضي كل الحدود، جمع الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين، نحوة من أربعمائة من أئمة المساجد والقضاة والمفتين والوعاظ والمدرسين وأصدروا فتوي حرمت بيع الأراضي للمهاجرين اليهود ووصفت كل من يبيع أرضه بأنه مرتد لا يدفن في مقابر المسلمين

لكن على الرغم من كل التنديد والسباب الذي كان يكال باللسان لبائعي الأراضي والسماسرة، فإن هؤلاء نادرا ما كانوا يتعرضون لأسوأ من هذا، وفي ذلك مقياس حقيقي للمكانة التي كانت للقيادة الفلسطينية. وكان بيع الأراضي، الذي يعتبر اخيانة»، تهمة تكيلها كل مجموعة من الوجهاء للمجموعة الأخرى، ما أوجد قدرة كبيرة من النفاق. ولم يكن هناك أي نبذ حقيقي من المجتمع، فضلا عن وجود أي عقوبة رادعة. بل إن الأشخاص الذين كانوا ينددون أشد التنديد بهذا العمل هم أنفسهم الذين كانوا في كثير من الأحيان أكثر الناس ممارسة له. ففي العام 1928 وصف أحد الأشخاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت