سالمان كذلك إلى النتيجة غير العلمية وهي أن البرنامج الصهيوني، الذي أصر الكاتب على ضرورة أن يؤدي إلى حكم أغلبية يهودية في فلسطين، لو طبقنه بريطانيا بقوة أكبر سوف يجعل العرب أكثر سعادة: وفي الوقت الذي أمسك فيه القلم لأكتب أسمع أنباء عن حوادث وسفك دماء في القدس وعن حملة صحافية كثيرة الحلبة تقول للعالم إن الفلاح العربي يخشى من تدفق سيل اليهود. لعل من العبث القول إنه لا توجد معارضة إلا أن المرء يستطيع أن يقول من دون تردد: لو أن بريطانيا تولت الانتداب فور إعلان الهدنة ونفذت الوعد الذي تضمنه تصريح بلفور لما وجدت من جانب الفلاحين إلا شيئا من المعارضة أو أي معارضة على الإطلاق (13) .
يمكن التساؤل قطعة عما إذا كان كل الذين أعربوا عن آراء غير واقعية من هذا القبيل صادقين فعلا في ما يقولونه. فليس هنالك من دليل يثبت أن بن غوريون قد ذكر في ذلك الوقت أمام الملأ ما كتبه بعد ذلك بأربعين عاما: «لقد كنت أعتقد ولا أزال أن التعاون بين العرب واليهود يعود بفائدة ضخمة على الشعبين. إلا أنني كنت أدرك في الوقت نفسه أن معركة تل حي التي وقعت في العام 1920 ومجزرة العام 1921 لم تكونا شيئا يذكر إذا ما قورنتا بالدم الذي سيسفك فيما بعد (14)
ثمة جنوح في الجانب العربي وخصوصا بين المؤرخين اليساريين المعاصرين إلى تأكيد وجهة النظر المعاكسة، وهي أن أبناء الشعب، بكراهيتهم الفطرية المباشرة للصهيونية كانوا وطنيين غير مشكوك في وطنيتهم بينما كان الساسة، كلهم ومن دون استثناء تقريبا عملاء. إلا أن الأمر اليقين هو أن المقاومة قد استمدت قوتها الدافعة الرئيسية من الشعب، بل إن أبناء الشعب هم الذين فرضوها على الساسة وليس العكس.
الساسة العرب يختارون اللاعنف كانت الحيرة التي واجهها القادة الفلسطينيون ثقيلة فعلا. وكانت متجسدة في وعد بلفور، وقد رأينا ماذا كان هذا الوعد يعني بالنسبة إلى الصهيونيين. إذ بات في وسعهم الاعتماد على البريطانيين ليساعدوهم في ملء الإطار، الذي يمثله ذلك الوعد، بحسب کلام رايزمان. ولم يخب أمل الصهيونيين هذا، فقد هيأوا لأنفسهم دعما استعمارية كافية لإمالة ميزان القرى إلى صالحهم بعد أن كان راجحا رجحانة شديدة ضدهم. أما بالنسبة إلى العرب فقد كان الاختيار مفتوحة دائمة بين المصالحة والمقاومة، وقد رأينا