الصفحة 400 من 642

يوجد فيه ما يستدعي ذلك. ومنذ بداية القرن العشرين حتى اليوم وثقة الصهيونيين بسمو دوافعهم تجعلهم يتعامون دائما عن حقيقة دوافع خصومهم. وليس من المبالغة في شيء أن نقول إنه عندما وجد الصهيونيون أنفسهم يواجهون المقاومة العربية فإنهم فسروها تفسيرات يدرك كل من ينظر بعين منصفة أنها ليست خاطئة فحسب، بل وغالبا ما كانت مناقضة للأسباب الحقيقية. وبناء على تشخيصهم الخاطيء ظلوا يطالبون في عناد أحمل بتطبيق أساليب علاج لا تؤدي إلا إلى زيادة حدة المرض المفروض أن تعالجه. وقد كانوا يرددون دائما أن المشكلة هي مشكلة والساسة، لا مشكلة والشعوب». ففي فلسطين أيام الانتداب كان الوجهاء المحليون من الزعماء والأفندية، بزعمهم، هم الذين يحرضون على القيام بأحداث الشغب ضد اليهود، مثلما صار بعد العام 1998 جمال عبد الناصر والقادة والثوريون» الآخرون هم الذين يعملون على نشر شعور الكراهية لدولة إسرائيل الجديدة عبر العالم العربي. وكان الصهيونيون يقولون إن خير وسيلة للرد على الساسة الذين يثيرون المشاكل هي معارضتهم في إصرار وعناد، أو بعبارة أخرى المضي في تنفيذ المشروع الصهيوني العظيم بتصميم أكبر من ذي قبل. وإن التمييز ضد العرب سيؤدي إلى تحسين الوضع لمصلحة الجميع، بما في ذلك العرب أنفسهم طبعة، وكلما ازداد كره العرب لهذا التمييز وجب أن يذوقوا المزيد منه.

صحيح أنه كانت هناك قلة من الصهيونيين ترى في هذا الكلام تحريفة فاضحة للمنطق. فقد رأى حاييم أرلوسوروف أن مجزرة العام 1921، تعني أن ثمة حركة عربية موجودة فعلا، وأيا كان نوع هذه الحركة فإن نفي أهميتها أو الاعتماد على الحراب، سواء أكانت بريطانية أم يهودية، سيعود علينا بالكارثة. فقوة الحراب تفيد لمدة ساعة، ولا تفيد على مدى عشرات السنين ... وسياسة الذراع القوية، لا يمكن أن تحقق هدفها (11) . غير أن هذا الرأي كان يتعارض تماما مع التشخيص المعتاد الذي نأخذ مثلا له من كلام غريشون أغرونسکي مؤسس صحيفة والجيروزاليم بوست، الذي كتب يقول: «إن أحداث الشغب التي وقعت في يافا هذا العام والتي اندلعت في القدس في عيد الفصح من العام الماضي لم تكن نتيجة حركة شعبية، وإنما دبرها الساسة العرب الذين يشنون حملة ضد السياسة البريطانية الصهيونية، مستغلين فيها العربي الطيب غير المثقف استغلال السذج. وهؤلاء الساسة ... طبقتان: فهناك الوجهاء أولا من أهالي فلسطين، أبناء طبقة ملاك الأراضي الذين كانوا يتمتعون بميزات أكبر أيام الحكم الترکي ويشعرون أن مصالحهم مهددة إذا ما قامت حكومة غربية تتبني أفكارة غربية للعدالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت