ليس هناك أي دليل جدير بالاعتبار يبين أن أحداث الشغب كانت مديرة ومنظمة، ولو أنها كانت كذلك لأدت إلى نتائج تتردد في تصور فداحتها)
تمتلى وثائق الحكومة البريطانية الخاصة بتلك الفترة بآراء مماثلة يعرب عنها المسؤولون والموظفون العاملون في المنطقة. فقد جاء في التقرير السياسي الشهري المرسل من القدس أن وقوع أحداث الشغب في يافا اليس مفاجأة على الإطلاق، لأن الاستياء على أشده في الأماكن التي يكثر فيها وجود العامل المستفز الذي سببها). وقال السكرتير الأول الحكومة فلسطين إن الهجرة هي الدليل المرئي المحسوس على الصهيونية، وهي المعيار الذي يمكن للعرب) أن يحكموا بواسطته (10) . لقد كان المصير الذي لقيه النزلاء المؤقتون في نزل الهجرة، الذين قدموا مؤخرا إلى أرض الميعاده، مصيرة قاسية ساخرة. إلا أن الذين يحبون أن يتفهموا رأي العرب يرون أن العرب ما كانوا يستطيعون اختبار طريقة أشد وضوحة لتبيان رأيهم في أنه لا يمكن أن يستب السلام في صهيون إذا كان من هذا النوع
الصهيونيون يلومون والساسة العرب لم يرد الصهيونيون أن يروا الحقيقة، فقد كانت آراء الدكتور إبدر هي الآراء السائدة بينهم، ولم تكن آراء جابوتينسكي إلا صورة غير معتدلة منها، ولعل من الخصائص الكثيرة الغريبة في حركة ولدتها مقاومة الظلم والاضطهاد أنها كانت لا تحس إطلاقا بروح المقاومة نفسها التي ولدتها هي في نفوس الآخرين. إلا أن هذا أمر لا يبعث على الدهشة. فقد جاء الصهيونيون إلى فلسطين يحدوهم تصميم عاطفي كبير على النجاح حتى أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا أنفسهم بالاعتراف بوجود العقبات الكأداء، المعنوية منها والحسية، التي بدا من المستحيل التغلب عليها والتي وجدوها تعترض طريقهم عندما وصلوا إلى فلسطين. لذلك فضلوا أن يحتفظوا بالتصور الزائف الذي كان يرافقهم في مواطنهم الأخرى وهو أن الأرض الموعودة خالية من السكان فعلا أو أنها تستطيع أن تستوعبهم بسهولة وأن تستوعب معهم كل مطامحهم وآمالهم. أو أنهم عندما وجدوا أنها لا تستطيع استيعابهم، فضلوا التوهم بأنه لن يحل أي أذى بأهلها الكثيرين جدأ وكان هذا التوهم أيضا خداعا للنفس مريحة للضمير
خلاصة القول أن الصهيونيين ابتدعوا عالما من التوهم لا تحدث فيه أي مقاومة لأنه لا