يمض وقت طويل إلا وشعر الفلسطينيون أن الصهاينة أعداء لهم. ثم لم يلبث الذين أحسوا أشد الإحساس بذلك أن توصلوا إلى الرأي بأن أفضل طريقة لمحاربة هذا العدو في التعلم منه. فنجيب نصار، وهو مسيحي من حيفا أصدر جريدته والكرمل، ليدعو إلى هذه الفكرة بين بني وطنه، لم يكنم وزملاءه من دعاة الكفاح الآخرين إعجابهم بالصهيونيين. وقد مثل ذلك تحولا كبيرة في الموقف، إذ كان الفلسطينيون يحتقرون اليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين قبل علياء الأولى في العام 1882، والذين كان معظمهم ضعافا ومتدينين وفقراء. بل كانوا يهينون الجبناء من أقرانهم بوصفهم بأنهم ايسيكناغه وهي كلمة محرفة عن والأشكينازي». وكتب نصار: القد ظل الشعب اليهودي مشنية ألفي سنة حتى ظهر هرتزل وعقد مؤتمر بازل، ثم ولدت المنظمة الصهيونية، بكل تفرعاتها ولم يمض خمسة عشر عاما حتى كانت قد نشرت مبادئها بين الأمة كلها، واشترت أفضل الأراضي في فلسطين، وجعلت لليهود صوتا واحدة وافتتحت المصارف لتمويل المزارعين؛ وإننا إذا ما صنعنا مثل صنيعهم فإننا سننجح ... » (1) . وقد وجد نصار وغيره أن اليهود انوم يعرفون ما يريدون ويعملون بجد ونشاط ... وأن أي شخص يرى القرى التي استعمروها يدرك أن أبناء هذا الوطن سيواجهون كفاحة لا مفر منه من أجل البقاء ... ولا بد من إيقاظ الناس لمنافسة اليهود ... وإلا فإنهم سيقعون صيدا سهلا في أيدي جيرانهم» (4) . وقد عدد هؤلاء الطرق الكثيرة التي يمكن للعرب أن يستفيدوا بها من الممثل الذي ضربه الصهيونيون: عقد المؤتمرات، وتنظيم المشروعات الجماعية، ومساعدة الفلاحين، والتعليم، والإصلاح الاجتماعي، ومجاراة العالم الحديث الذي حملة الصهيونيون معهم، بل تنبأ هؤلاء بالادعاء الشهير الذي يدعيه الصهاينة بأنهم، على عكس العرب الذين أخرجوهم، قد اجعلوا الصحراء تزدهرة. فلنكن مثلهم في الجلد وبذل الأنفس ... فإن قانون الحضارة العام يقول إن الأرض لمن يعمل فيها (3)
اتسع العداء للصهيونية قبيل نشوب الحرب العظمى من مجرد انفجارات تلقائية غير سياسية في جوهرها يقوم بها الفلاحون مثلما كانت في البداية، فأصبح القضية المركزية في السياسة الفلسطينية. وكانت الطبقة الصغيرة من التجار المدنيين. وأصحاب الحرف مي أشد الطبقات، بعد الفلاحين، في مناهضة الهجرة اليهودية. وكان أبناء هذه الطبقة وراء الاحتجاج الأول الذي أرسله وجهاء القدس في العام 1891 إلى الباب العالي. وكانوا يتخوفون من المنافسة الاقتصادية التي كان لا بد أن يؤدي إليها استمرار نمو جالية أجنبية