تشكيل منظمة دفاع سرية، كان من بين مؤسيسها إسحق بن زفي، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية في إسرائيل. وقد وصف بن زفي الاجتماع الأول للمنظمة الذي جرى في منزله، وكان وصفه مليئة بالمخاوف من المستقبل. وفرشت بعض البسط على الأرض، واستخدمت بعض الصناديق الخشبية بدلا من الكراسي الوثيرة والمكاتب ... كان ثمة شعور يتملك الجميع ... فقد استجمعوا شجاعتهم (إذ كانوا يعرفون أن إنقاذ الأمة لن يكون بالكلام، وأن إعادة بناء الدولة لن تتم بالحطب. وفيهودا سقطت بالدم والنار، وستنهض مرة أخرى بالدم والنار»(2) . وفي السنة نفسها وافق قائمقام طبريا على تشكيل حرس يهودي تحسبا من وقوع مجزرة (34) . وقد سبق الإعداد العسكري نقاش جرى بين اثنين من الرواد الشبان في مستعمرة سيجبرا. فقد كان أحدهما، ويدعي دافيد، يريد إنشاء منظمة يهودية للدفاع عن النفس». بينما كان الآخر، ويدعي شلومو، يعارضه في الرأي، ويحتج قائلا: إنهم عادوا إلى الأرض الموعودة ليعيشوا في سلام، ولئن أثاروا العرب عليهم فإنه لن يكون هناك سلام على الإطلاق. بيد أن دافيد أصر على رأيه، إذ إنه كان يرى أن عالمنا عالم لا تحظى فيه بالاحترام إلا القوة والقوة وحدها. ثم عاد شلومو إلى باريس. أما دافيد - دافيد بن غوريون - فقد ظل في فلسطين (30) .
كذلك كان موقف العرب يزداد صلابة، بيد أن تصلبه كان عملية بطيئة متعثرة، إذ إن ميل القادة الفلسطينيين العقيدي إلى استخدام القوة كان أقل وضوحة من ميل القادة الصهيونيين، فقد كان استخدام القوة أمرة بعيدة جدا عن تفكيرهم، إذ كانوا يمثلون شعبة مستضعفا. وعندما اتخذ الوجهاء الفلسطينيون المتمثلون في مجموعة وجهاء القدس في العام 1890 مبادرتهم الرسمية الأولى في الكفاح الذي كان قد بدأ نعة، اتخذوا الخطوة المشروعة الوحيدة التي كانوا يستطيعون اتخاذها، وهي الاحتجاج لدى السادة المستعمرين لبلادهم أي لدى الباب العالي في القسطنطينية. وبهذا فقد أبدى الفلسطينيون احترامة غريزية ظل يرافقهم بقوة تتضاءل تدريجية، في ما بقي من سنوات الحكم العثماني، ثم طوال ثلاثين عاما من الانتداب البريطاني، وخمسة وعشرين عاما بعد تشردهم في العام 1948، وقد احتجوا على تعيين وال ترکي كان بحابي الصهيونيين محاباة واضحة، وفي العام التالي قدم الوجهاء الفلسطينيون التماس آخر تضمن طلبين اثنين: إنهاء الهجرة اليهودية وشراء الأراضي. وفي العام 1898 اتصل يوسف ضياء الخالدي بالصهيونيين مباشرة، إلا أن هذا النوع من النداء والمناشدة لم يترك كبير أثر، فقد اكتفي الصهيونيون بإظهار الاهتمام. أما الأتراك فقد استمعوا، ولكن